شهد المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة طفرة رقمية غير مسبوقة تزامنت مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتعميم الولوج إلى شبكة الإنترنت، مما أحدث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية. وأضحت هذه الثورة التكنولوجية واقعا يوميا يفرض نفسه بقوة على مختلف الفئات العمرية، وخاصة فئة الشباب التي باتت تقضي جزءا كبيرا من حياتها داخل الفضاءات الافتراضية، لتنتقل هذه المنصات من مجرد أدوات تقنية للتواصل إلى عوالم موازية تؤثر بشكل مباشر على السلوكيات والتمثلات.
أفرزت هذه التغيرات المتسارعة تحديات مستجدة أمام الباحثين والمختصين في علم الاجتماع، الذين باتوا ينظرون إلى المنصات الرقمية كمؤسسات تنشئة حديثة تمتلك قدرة هائلة على التأطير وتوجيه الرأي العام. وباتت هذه الوسائط التكنولوجية تنافس بشكل جلي المؤسسات التقليدية كالأسرة والمدرسة في إنتاج المعايير الاجتماعية، مما استدعى تفكيكا سوسيولوجيا دقيقا لفهم طبيعة هذا التأثير على بناء الهوية الفردية والجماعية للشباب في سياق العولمة الرقمية.
وأوضح الباحث في علم الاجتماع الدكتور هشام بوقشوش، في تصريح لجريدة العمق المغربي، أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسائل للاتصال وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى فضاءات اجتماعية وثقافية ورمزية تنتج المعاني والقيم وتعيد تشكيل أنماط السلوك. وتابع المتحدث أن هذه المنصات لا يمكن فهم تأثيرها باعتبارها أدوات محايدة، بل كمؤسسات اجتماعية جديدة تمارس وظائف التنشئة، مشيرا إلى أن الشاب المغربي اليوم لم يعد يكتفي باستهلاك المحتوى، بل أصبح يشارك في إنتاجه وتداوله وإعادة تأويله، ليصبح الانتماء إلى العالم الافتراضي مكملا أو بديلا أحيانا للانتماءات الواقعية.
وكشف المصدر ذاته أن هذه الوسائط ساهمت في إنتاج تمثلات جديدة للنجاح والمكانة الاجتماعية، حيث تحول عدد المتابعين والإعجابات والمشاهدات إلى معيار حديث للاعتراف الاجتماعي، متجاوزا المعايير التقليدية المرتبطة بالتعليم أو المهنة أو الرأسمال الثقافي. وأضاف الباحث أن هذا الوضع أفرز ما يسمى باقتصاد الشهرة الرقمية حيث تتحول الشعبية الافتراضية إلى رأسمال رمزي قد يفتح أبواب التأثير والربح والوجاهة الاجتماعية، مبرزا حدوث انزياحات قيمية تتمثل في انتقال فئة من الشباب من منطق الإنجاز وثقافة المجهود إلى منطق الظهور وثقافة الانتشار السريع، متأثرين بنماذج رقمية تقدم الثراء والشهرة كنتائج فورية لا تتطلب تراكما، ما يدفعهم إلى مقارنة واقعهم بصور مفلترة لا تعكس الحياة الحقيقية.
وأشار الخبير السوسيولوجي إلى أنه لا ينبغي اختزال آثار مواقع التواصل في الجوانب السلبية فقط، إذ أتاحت بدورها فرصا غير مسبوقة للتعلم الذاتي والانفتاح الثقافي والتعبير عن الرأي، مما مكن العديد من الشباب المغاربة من تطوير مشاريع مهنية وفنية. واستدرك المتحدث مبينا الطابع الإشكالي والتناقضات التي تنتجها هذه الوسائط، فهي تدعو إلى التواصل لكنها قد تنتج العزلة، وتستشرف الحرية بينما تخضع الأفراد لخوارزميات التوجيه، وتمنح إمكانية التعبير في وقت تشجع فيه على التنمر، فضلا عن تعزيزها للفردانية ودفعها في الآن ذاته نحو الامتثال الجماعي وموجات التقليد الأعمى.
وأكد الدكتور بوقشوش في ختام تصريحه أن الإشكالية لا تكمن في وجود مواقع التواصل الاجتماعي في حد ذاتها، بل في طبيعة الاستخدامات والتمثلات التي تحكمها. واعتبر الباحث أن هذه الوسائط تشبه مرآة اجتماعية مكبرة تكشف التحولات الجارية داخل المجتمع المغربي وتساهم في إنتاجها وتسريعها، مشددا على أن فهم تأثيرها يقتضي النظر إليها باعتبارها فاعلا اجتماعيا جديدا يعيد تشكيل الهوية والقيم والعلاقات، ويرسم حدودا مستجدة بين الواقعي والافتراضي، وبين الفردي والجماعي في المجتمع المعاصر.
المصدر:
العمق