د. مصطفى تاج
يخلد المغرب ومعه المنتظم الدولي ككل هذه الأيام اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال الذي يتزامن مع الثاني عشر يونيو من كل سنة، وهي فرصة للوقوف على هذه الظاهرة التي لا زالت تلازم البشرية باعتبارها إحدى القضايا الاجتماعية والحقوقية التي ما تزال تطرح تحديات كبيرة أمام جهود التنمية البشرية وترسيخ حقوق الطفل، فرغم التطور الملموس على مستوى التشريعات والإجراءات التي سنتها كل الدول لمكافحتها، فإن عددا كبيرا من الأطفال لا يزالون ينخرطون في أنشطة اقتصادية وعسكرية مختلفة تحرمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والحماية والنمو السليم.
ولأن تشغيل الأطفال يشكل إحدى الظواهر الاجتماعية المعقدة التي ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية. فقد أولى المجتمع الدولي اهتماما متزايدا لهذه القضية من خلال الاتفاقيات والمواثيق الدولية الرامية إلى حماية الطفولة وضمان حق الأطفال في التعليم والصحة والتنمية المتكاملة.
وفي المغرب، ورغم المصادقة على العديد من الاتفاقيات الدولية واعتماد ترسانة قانونية متطورة، فإن ظاهرة تشغيل الأطفال ما تزال قائمة بأشكال متفاوتة، خصوصا في الأوساط الهشة والقروية والشبه حضرية.
فالمغرب عزز منظومته القانونية من خلال دستور سنة 2011 الذي أكد على حماية حقوق الطفل، إضافة إلى مدونة الشغل التي حددت السن الأدنى للتشغيل في 15 سنة، مع تشديد المراقبة على الأعمال الخطرة وسن قانون إلزامية التمدرس إلى حدود 15 سنة. كما صادق المغرب على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 المتعلقة بالحد الأدنى لسن العمل، ورقم 182 الخاصة بالقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال. إلا أن هذا يبقى غير كاف، لأن الظاهرة لم تختف بشكل نهائي. وتتركز بشكل أكبر في العالم القروي مقارنة بالمجال الحضري، حيث يشتغل العديد من الأطفال في الأنشطة الفلاحية والرعوية والأعمال العائلية غير المهيكلة.
ذلك أن الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها بعض الأسر تعتبر من أهم دوافع تشغيل الأطفال، حيث ينظر إلى مساهمة الطفل في الدخل الأسري كوسيلة للتخفيف من الأعباء المعيشية. كما أن هناك ثقافة لا زالت سائدة تعتبر العمل المبكر وسيلة لاكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية، دون إدراك كامل للآثار السلبية المترتبة عن ذلك. ناهيك عن استمرار انتشار الأمية وسط العديد من الأسر، واستفحال ظواهر الهدر والانقطاع المدرسيين، والتي تساعد بدورها في استغلال الأطفال وتوجيههم نحو العمل المبكر، إن في المتاجر أو المصانع أو في القطاع الفلاحي أو الرعي أو الورشات الحرفية الصغيرة أو القطاعات غير المهيكلة أو الخدمة المنزلية، أو في أحايين أخرى يدفع بهم نحو التسول ويتم استغلال براءتهم اقتصاديا. ويا لفظاعة هذا الأمر ونحن نرفع شعارات الدولة الاجتماعية ومغرب السرعة الواحدة ودولة الحق والقانون.
وتزداد هذه الفظاعة حين نلمس الآثار والانعكاسات السلبية المتعددة على الأطفال المعنيين أنفسهم وعلى المجتمع التي تخلفها هذه الظاهرة. ومن أهمها، حرمانهم من حقهم الطبيعي في التربية والتعليم والتكوين واللعب والترفيه الإيجابي، وتعريضهم لمخاطر صحية وإصابات مهنية، بالإضافة إلى التأثير السلبي على نموهم النفسي والاجتماعي، مما يسهم بطريقة أو بأخرى في إضعاف فرصهم في الاندماج الاقتصادي والاجتماعي مستقبلا، وبالتالي إعادة إنتاج دوائر الفقر والهشاشة عبر الأجيال، أو ما سبق أن نادى حزب الاستقلال بمحاربته في برنامجه السياسي تحت مسمى ” محاربة الظواهر التي تسهم في إعادة إنتاج الفقر الجيلي”.
وحتى نكون موضوعيين، ونرى الأمور من مختلف زواياها، فإن بلادنا عملت في السنوات الأخيرة على تعزيز سياساتها العمومية في مجال حماية الطفولة من خلال تطوير الترسانة القانونية المرتبطة بحقوق الطفل، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي للأسر الهشة، وتشجيع التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، وتقوية آليات المراقبة والتفتيش في أماكن العمل، مع تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والمجتمع المدني. وذلك التزاما بتحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى القضاء على عمل الأطفال بجميع أشكاله. إلا أن نسب الهدر المدرسي المرتفعة، والتي تتكرر كل سنة وتتمدد، وما نراه في دواويرنا وشوارعنا وأحيائنا وأسواقنا من حالات عديدة لأطفال يلجون سوق العمل مضطرين صاغرين، لمؤشرات لا تبشر بقرب القضاء على ظاهرة تشغيل الأطفال. مما يستوجب المزيد من العمل في هذا الاتجاه، وتسريع وثيرة التنمية الإنسانية الشاملة للقضاء النهائي على ظاهرة تشغيل الأطفال.
لكل هذا، فإن تحقيق مرمى القضاء النهائي على هذه الظاهرة يظل رهينا بتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان تعليم جيد ومنصف، وترسيخ ثقافة حقوق الطفل داخل المجتمع. ويظل اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال مناسبة لدق ناقوس التذكير والتفكير لتجديد الالتزام الجماعي ببناء مجتمع يضمن لكل طفل حقه في الطفولة الكريمة والتنمية المتكاملة. خصوصا وأن ظاهرة تشغيل الأطفال بالمغرب تمثل تحديا تنمويا وحقوقيا يتطلب مقاربة شمولية تتجاوز المعالجة القانونية نحو معالجة الأسباب البنيوية المرتبطة بالفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وأظن جازما بأن لحظة الانتخابات التشريعية المقبلة يجب أن تعرف نقاشا سياسيا وثقافيا متطورا من هذا النوع، يثير إشكالات عميقة حول الطفولة التي نريد، باعتبار أن مدخل التنمية الشاملة يجب أن يمر وجوبا بالاهتمام بالإنسان، والاهتمام بالإنسان يجب أن يبتدئ بالطفولة. ولنا في التجارب المقارنة التي انتصرت للطفولة وللتربية والتعليم نماذج مضيئة، حيث استطاعت اليابان وفنلندا وسنغافورة والكثير من الدول الغربية والأسيوية والأمريكية أن تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر مدخل الاستثمار في بناء الإنسان وفي التعليم الجيد والتربية على القيم والأخلاق.
المصدر:
هبة بريس