آخر الأخبار

بين فكي الذئاب وقساوة الجفاف.. صرخة من أراضي تاسريرت لإنقاذ مهنة الرعي من الاندثار

شارك

على امتداد الطريق المؤدية إلى مدينة أكادير، وعلى مقربة من جماعة إزناكن التابعة لإقليم ورزازات، تمتد أراضي تاسريرت الشاسعة التي كانت إلى وقت قريب تشكل ملاذا للرعاة الرحل وفضاء طبيعيا خصبا لقطعان الماشية. غير أن هذه الربوع التي لطالما اشتهرت بجمالها الطبيعي ووفرة مراعيها، أصبحت اليوم عنواناً لمعاناة متفاقمة يعيشها الرعاة والكسابة في مواجهة تحديات متزايدة تهدد مصدر عيشهم واستمرار نشاطهم التقليدي.

في هذه المناطق الجبلية الواقعة بين إقليمي ورزازات وتارودانت، تتقاطع آثار الجفاف مع قساوة الظروف المناخية وتنامي مخاطر الحيوانات المفترسة، لتفرض واقعاً جديداً على مئات الأسر التي تعتمد بشكل كلي على تربية الماشية.

سعيد.. قصة راع يواجه المجهول

وسط هذه الظروف الصعبة، يواصل سعيد، وهو راع وأب لأسرة ينحدر من المناطق الجبلية الواقعة بين جماعة إزناكن ومنطقة تالوين، ممارسة مهنته التي ورثها عن الأجداد. يقضي أيامه بين المرتفعات والوديان، متنقلاً وراء الكلأ والماء، في بيئة لا ترحم وتفرض على الرعاة مواجهة يومية مع الطبيعة.

يقول سعيد إن الرعي في هذه المناطق لم يعد كما كان في السابق، فإلى جانب الجفاف المتواصل وتراجع الغطاء النباتي، بات الرعاة يواجهون مخاطر متزايدة تتمثل في هجمات الذئاب التي أصبحت تشكل تهديدا مباشرا للقطعان.

مصدر الصورة

وبنبرة يطغى عليها الأسى، يؤكد أنه فقد منذ شهر فبراير من السنة الماضية إلى اليوم ما مجموعه 27 رأسا من الأغنام بسبب هجمات الذئاب، وهي خسارة كبيرة بالنسبة لراع يعتمد بشكل كامل على قطيعه لتأمين لقمة العيش وتلبية احتياجات أسرته.

ويستحضر سعيد حجم المعاناة التي يعيشها قائلا: “عوض أن يتم إطلاق الغزلان في هذه المناطق لإحياء التوازن الطبيعي، أصبحنا نرى الذئاب تفتك بماشيتنا وتلتهم مصدر رزقنا”. ويضيف متسائلا: “من سيعوضني عن هذه الخسائر التي راكمتها على مدى سنوات من العمل والتعب؟”.

الذئاب تفرض واقعا جديدا على الرعاة

لم تعد هجمات الذئاب مجرد روايات يتداولها الرعاة في المجالس، بل تحولت إلى واقع يومي تعيشه ساكنة المنطقة. وخلال زيارة ميدانية إلى منطقة تكنيوين، تمت معاينة وجود ذئبين يتجولان بالقرب من مناطق الرعي، في مشهد يؤكد المخاوف التي يعبر عنها الكسابة بشكل متكرر.

مصدر الصورة

ويؤكد عدد من الرعاة أن الذئاب أصبحت أكثر جرأة خلال السنوات الأخيرة، حيث تقترب من أماكن تواجد القطعان بشكل متزايد، خاصة خلال فترات الليل، ما دفع العديد منهم إلى مضاعفة الحراسة والسهر لساعات طويلة لحماية مواشيهم.

ويقول أحد الكسابة إن الخوف لم يعد يقتصر على فقدان الأغنام فحسب، بل أصبح يشمل سلامة الرعاة أنفسهم، خاصة في المناطق المعزولة والبعيدة عن التجمعات السكنية.

من الجبال إلى السهول.. هروب من خطر إلى آخر

أمام تزايد هجمات الذئاب، اضطر عدد من الرعاة إلى مغادرة المرتفعات الجبلية والنزول نحو الأراضي المنبسطة أملا في توفير ظروف أكثر أمنا لقطعانهم.

غير أن هذا الخيار لم يكن حلا نهائيا، إذ سرعان ما وجد الرعاة أنفسهم أمام تهديد جديد يتمثل في انتشار الكلاب الضالة التي أصبحت بدورها تشكل خطراً على الماشية وعلى السكان.

مصدر الصورة

أحد الرعاة بمنطقة تاوراغت أوضح أن الانتقال من الجبال إلى السهول جاء اضطراريا بسبب الخوف من الذئاب، لكنه لم ينه معاناتهم. وأضاف أن الكلاب الضالة تهاجم الأغنام بشكل متكرر وتتجول في مجموعات، ما يزيد من حجم الخسائر ويضاعف من حالة القلق التي يعيشها الرعاة.

وأشار المتحدث إلى أن الرعاة تمكنوا من التكيف مع سنوات الجفاف المتتالية رغم صعوبتها، غير أنهم فوجئوا بتفاقم مشكل الذئاب والكلاب الضالة، معتبرا أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى عزوف الأجيال الجديدة عن ممارسة الرعي وتربية الماشية.

وقال في هذا السياق إن “هذه المهنة مهددة بالاندثار إذا استمرت الظروف الحالية، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يرعى هذه القطعان أو يحافظ على هذا النشاط التقليدي الذي شكل جزءا من هوية المنطقة لقرون”.

أزمة الماء تعمق معاناة الرحل

ولا تقف التحديات عند حدود الحيوانات المفترسة، بل تمتد إلى ندرة المياه التي أصبحت تشكل هاجسا يوميا للرعاة والرحل.

ويشتكي عدد من سكان المنطقة من تراجع الموارد المائية السطحية والجوفية، مؤكدين أن الاستغلال المكثف لبعض الفرشات المائية من طرف مستثمرين ودخلاء على المنطقة فاقم من حدة الأزمة، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف.

مصدر الصورة

ويؤكد الرعاة أن الحصول على الماء أصبح يتطلب قطع مسافات طويلة، سواء لتوفير حاجيات الأسر أو لسقي الماشية، الأمر الذي يرفع من تكاليف النشاط ويزيد من الأعباء اليومية المفروضة عليهم.

نداء استغاثة لإنقاذ قطاع الرعي

أمام هذه التحديات المتراكمة، يوجه رعاة منطقتي تاسريرت وتاوراغت نداء عاجلا إلى مختلف الجهات المعنية، من مصالح المياه والغابات والسلطات الإقليمية والمصالح الفلاحية والمجالس المنتخبة والسلطات المحلية، من أجل التدخل لإيجاد حلول مستعجلة للمشاكل التي تواجههم.

مصدر الصورة

ويطالب المتضررون باتخاذ إجراءات لحماية القطعان من هجمات الذئاب والكلاب الضالة، وتعزيز آليات تعويض الكسابة عن الخسائر التي يتكبدونها، إلى جانب العمل على حماية الموارد المائية وضمان استدامتها.

وبين قساوة الجفاف وندرة المياه وزحف الحيوانات المفترسة، يجد رعاة هذه المناطق أنفسهم في مواجهة معركة يومية للحفاظ على مصدر رزقهم ونمط عيشهم التقليدي، في انتظار تدخلات تعيد الطمأنينة إلى ساكنة ظلت لعقود طويلة ترتبط بالأرض والماشية وتعيش من خيرات الطبيعة التي أصبحت اليوم أكثر قسوة من أي وقت مضى.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا