آخر الأخبار

الأغلبية تدعو إلى مواصلة إصلاح التعليم بعيدا عن القطيعة وتحذر من “مدرسة بسرعتين”

شارك

اعتبرت فرق الأغلبية بمجلس النواب أن مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب لا يمكن أن تُبنى على القطيعة مع ما سبق، بل تستدعي مقاربة منصفة تُثمن ما تحقق من مكتسبات وتُراجع في الوقت نفسه الاختلالات البنيوية المتراكمة التي ظلت تعيق أداء المدرسة العمومية لعقود، مشددة على أن النقاش الحالي حول إصلاح التعليم يفرض استحضار مسؤولية السياسات العمومية السابقة في إنتاج عدد من الأعطاب، مع الانتباه إلى ضرورة حماية المنظومة من أي مسار قد يؤدي إلى تعميق الفوارق داخل المدرسة الواحدة.

وفي هذا الإطار، حذرت مكونات من الأغلبية، خلال جلسة المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة بمجلس النواب حول “منظومة التربية والتكوين”، يومه الإثنين، من مخاطر إعادة إنتاج التفاوتات بين المتعلمين عبر مسارات إصلاحية غير متوازنة، منبهة إلى إمكانية ظهور “مدرسة بسرعتين” إذا لم تُواكب المشاريع الجديدة بضمانات كافية لتحقيق العدالة التربوية وتكافؤ الفرص، بما يحافظ على وحدة المدرسة العمومية كرافعة أساسية للارتقاء الاجتماعي.

حصيلة تاريخية للحكومة في قطاع التعليم

أكد فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب أن الإصلاحات التي باشرتها الحكومة في قطاع التربية والتكوين تمثل أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية التي تعكس توجه الدولة نحو بناء “المغرب الصاعد”، معتبرًا أن الاستثمار في الرأسمال البشري يشكل المدخل الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية.

وأكدت النائبة زينة إدحلي، باسم فريق التجمع الوطني للأحرار، أن موضوع التربية والتكوين يطرح سؤالاً محورياً يتعلق بكيفية جعل الاستثمار في الإنسان ركيزة لكل تنمية حقيقية ومستدامة، مشددة على أن الاقتصاديات الناجحة في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تتوفر فقط على الثروات الطبيعية والموارد المادية، بل هي بالأساس تلك التي نجحت في الاستثمار في الإنسان باعتباره أثمن رأسمال تمتلكه الدول.

وأبرزت أن الحكومة جعلت من إصلاح منظومة التربية والتكوين ركيزة مركزية في مشروعها الحكومي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن بناء الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق دون ضمان تعليم جيد ومنصف لجميع المغاربة، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية ومجالات عيشهم.

وفي هذا الإطار، أشادت النائبة بالمجهودات الحكومية الرامية إلى محاربة الهدر المدرسي، الذي وصفته بـ”الاستنزاف الصامت للرأسمال البشري الوطني”، من خلال تطوير آليات الاستهداف الاجتماعي وتعزيز برامج الدعم المدرسي وتوسيع عروض التكوين المهني لاستيعاب الطاقات الشبابية.

وأكدت إدحلي أن ما يميز المرحلة الحالية هو الإرادة الحكومية القوية في التعاطي مع ملف التعليم باعتباره ركيزة مندمجة في مشروع المغرب الصاعد، وليس مجرد ورش قطاعي منفصل، معتبرة أن هذا التوجه يعكس وعياً عميقاً بكون الإصلاح التعليمي والإصلاح الاقتصادي وجهين لعملة واحدة.

من جهته، أكد النائب حاتم بن رقية، في استكمال لمداخلة فريق التجمع الوطني للأحرار، أن الحصيلة الحكومية في قطاع التربية والتكوين تعكس روحاً وطنية عالية وانخراطاً متواصلاً لرئيس الحكومة في تنفيذ الرؤية الملكية التي تجعل من التعليم قضية محورية في مختلف السياسات العمومية.

وأوضح أن الحكومة اختارت منذ بداية ولايتها جعل إصلاح التعليم أولوية وطنية كبرى، ليس باعتباره قطاعاً اجتماعياً فحسب، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في مستقبل الوطن، مضيفاً أن الحكومة لم تكتف بوضع التصورات والخطط، بل انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للإصلاحات.

كما خص بالذكر ملف الأساتذة أطر الأكاديميات، معتبراً أن الحكومة نجحت في طي واحد من أعقد الملفات التي عرفها القطاع، من خلال تسوية وضعية نحو 115 ألف أستاذ، وهو الملف الذي قال إنه خلق لسنوات حالة من التمييز داخل المدرسة العمومية وأدى إلى احتقان اجتماعي كبير.

وأبرز بن رقية أن الحكومة رفعت ميزانية قطاع التعليم إلى 99 مليار درهم، بزيادة بلغت 68 في المائة، معتبراً أن أي إصلاح جاد لا يمكن أن يتحقق دون توفير الإمكانيات المالية اللازمة.

وأكد أن بناء المغرب الصاعد لا يقتصر على إصلاح المدرسة فقط، بل يتطلب كذلك تطوير منظومة تكوين مهني حديثة ومندمجة مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعرفها المملكة، مبرزاً أن الحكومة عملت على تعزيز جاذبية التكوين المهني وربط مسالكه بالمهن الجديدة والقطاعات الواعدة.

وختم بن رقية مداخلته بالتأكيد على أن إصلاح التعليم مسار طويل يتطلب الاستمرارية وتراكم الجهود، داعياً إلى تقييم النتائج بمنطق الوقائع والمعطيات الملموسة، ومعتبراً أن الحكومة ورثت اختلالات بنيوية تراكمت لعقود، وأن الإصلاحات الجارية تمثل خطوة مهمة نحو بناء مدرسة عمومية أكثر جودة وإنصافاً وقدرة على مواكبة طموحات المغرب المستقبلية.

تحذيرات من مدرسة بسرعتين وتعميق الفوارق التعليمية

حذرت نادية بنزدفة، النائبة عن فريق الأصالة والمعاصرة، من إمكانية أن تؤدي مدارس “الريادة” إلى تعميق الفوارق التعليمية وخلق “مدرسة بسرعتين”، متسائلة عن مدى كفاية ثلاثة أسابيع فقط من الدعم المكثف في بداية الموسم الدراسي لمعالجة التعثرات المتراكمة لدى التلاميذ. وقدمت مثالاً بتلميذ يعاني ضعفاً في القراءة، معتبرة أن الاقتصار على دعم محدود في هذه المادة لا ينسجم مع مطالبة التلميذ في الوقت نفسه بمتابعة باقي المواد الدراسية التي تتطلب مهارات القراءة نفسها.

ودعت إلى اعتماد نظام للتقييم متعدد المراحل يمتد على طول السنة الدراسية بدل الاقتصار على تقييمات تتم في بداية الموسم فقط، معتبرة أن هذا الخيار سيكون أكثر نجاعة في تتبع تطور مستوى المتعلمين وتصحيح التعثرات في حينها.

كما انتقدت ما وصفته بمركزية الموارد البيداغوجية، معتبرة أن اعتماد المؤسسات التعليمية بشكل كامل على الموارد القادمة من الإدارة المركزية يقلص هامش المبادرة والإبداع لدى الأساتذة والمفتشين، ويتعارض مع فلسفة الجهوية المتقدمة التي يفترض أن تمنح الأكاديميات والفاعلين التربويين مجالاً أوسع للتدخل والتكيف مع خصوصيات كل جهة.

وفي السياق ذاته، أثارت النائبة إشكالية تعميم التقييمات الوطنية، معتبرة أن توحيد الامتحانات في مختلف جهات المملكة لا يأخذ بعين الاعتبار الظروف المحلية والاستثنائية التي قد تعرفها بعض المناطق، كما حدث خلال فترات التساقطات المطرية والفيضانات التي أثرت على السير العادي للدراسة في بعض الأقاليم. ودعت إلى منح الأكاديميات الجهوية صلاحيات أوسع للتعامل مع هذه الحالات وفق خصوصيات كل جهة.

وأعربت بنزدفة عن تخوفها من الآثار النفسية التي قد تنتج عن إخضاع التلاميذ في المستويات الأولى لتقييمات موحدة، معتبرة أن ذلك قد يشكل ضغطاً كبيراً على الأطفال في مراحلهم الدراسية الأولى. كما تساءلت عن دواعي توسيع تجربة مؤسسات الريادة إلى التعليم الإعدادي قبل استكمال تعميمها وتقييم نتائجها بشكل نهائي في التعليم الابتدائي.

وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، انتقدت النائبة التراجع عن صرف التعويض السنوي الذي كان مخصصاً للأساتذة العاملين بمؤسسات الريادة والمقدر بحوالي عشرة آلاف درهم، بعدما أصبح يُصرف مرة واحدة فقط خلال المسار المهني، معتبرة أن الأعباء الإضافية التي يتحملها الأساتذة مستمرة ومتواصلة ولا يمكن ربطها بتحفيز استثنائي لمرة واحدة.

وبخصوص التعليم الأولي، أكدت أن تحقيق نسب مرتفعة من التعميم لا يكفي لوحده لإنجاح الإصلاح، مشددة على ضرورة الاهتمام بجودة الخدمات المقدمة. وسجلت وجود تفاوتات واضحة في البنيات التحتية بين الوسطين الحضري والقروي، فضلاً عن إشكالات مرتبطة بإسناد تدبير بعض المؤسسات إلى جمعيات لا تتوفر دائماً على الإمكانيات والكفاءات المطلوبة. كما دعت إلى التفكير في إدماج أطر التعليم الأولي ضمن أسلاك المنظومة التربوية.

وأشارت إلى أن ظاهرة الهدر المدرسي ما تزال من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، مبرزة أن نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة يغادرون الدراسة سنوياً، مع تسجيل نسب مقلقة في صفوف الفتيات.

كما أثارت قضية المناهج والبرامج الدراسية، معتبرة أن استمرار بعض المقررات دون مراجعة حقيقية لأكثر من خمسة عشر عاماً يطرح تساؤلات حول قدرة المدرسة المغربية على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي. ولفتت إلى أن المتغيرات التكنولوجية الكبرى التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة تفرض مراجعة عميقة للمضامين التعليمية بما ينسجم مع متطلبات العصر.

وفي ملف محاربة الغش في الامتحانات، أكدت أن هذه الخطوة ضرورية لضمان تكافؤ الفرص والحفاظ على قيمة الشهادات الوطنية، لكنها اعتبرت أن الإجراءات المعتمدة لم تسبقها عملية كافية لتهيئة التلاميذ نفسياً. وأشارت إلى أن بعض وسائل المراقبة المعتمدة خلال الامتحانات أثارت لدى عدد من المترشحين حالات من التوتر والضغط النفسي، مسجلة وقوع حالات إغماء خلال اجتياز الاختبارات. كما تساءلت عن مبررات منع الأساتذة المكلفين بالحراسة من إدخال هواتفهم إلى قاعات الامتحان.

محدودية أثر التعليم على الواقع الاجتماعي

وجّه الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، انتقادات ضمنية وصريحة لوتيرة إصلاح التعليم ومحدودية أثره على الواقع الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بتكافؤ الفرص، وربط التكوين بسوق الشغل، وتفاوتات العرض المدرسي بين الوسطين الحضري والقروي، محذراً من استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق “المغرب الصاعد” كما ورد في التوجيهات الملكية. وأكد الفريق أن هذه الاختلالات ما تزال قائمة رغم البرامج الإصلاحية المعلنة، وفي مقدمتها تنامي البطالة في صفوف خريجي الجامعات، وتواصل الهدر المدرسي، وضعف البنيات التحتية التعليمية في عدد من المناطق.

وخلال مداخلته باسم الفريق، شدد النائب الحسن بن الفقيه على أن إرساء مغرب صاعد يظل رهيناً بتجاوز المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية نحو مقاربة مجالية مندمجة تجعل من التعليم محوراً أساسياً لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، معتبراً أن الاستثمار في التربية والتكوين هو الاستثمار الأكثر إنتاجية لبناء رأسمال بشري قادر على مواكبة التحولات التكنولوجية والرقمية، غير أنه ربط هذا الطموح بوجود اختلالات عميقة، أبرزها ضعف جودة التعليم العمومي في مختلف أسلاكه، وعدم قدرة المنظومة الحالية على الاستجابة لحاجيات سوق الشغل، في ظل ما وصفه بتنامي البطالة في صفوف خريجي الجامعات وغياب سياسة واضحة لربط التعليم العالي بفرص التشغيل، رغم الاستقطاب المتزايد للاستثمارات الأجنبية.

كما انتقد بن الفقيه محدودية أثر السياسات العمومية في تأهيل المدرسة العمومية، معتبراً أن هذه الأخيرة يجب أن تتحول إلى فضاء للتربية على القيم الوطنية والديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، وتقوية الانتماء والعيش المشترك، إلى جانب تحصين المتعلمين من مظاهر الانحلال والتطرف، مع التشديد على أهمية ترسيخ ثقافة التطوع داخل المؤسسات التعليمية.

من جهته، ثمن النائب خالد الشناق، باسم الفريق الاستقلالي، ما اعتبره جهوداً حكومية لإدراج إصلاح التعليم ضمن أولويات السياسات العمومية، غير أنه وجه انتقادات حادة لتعثر تنزيل هذا الإصلاح على أرض الواقع، خاصة في العالم القروي، حيث لا تزال العديد من المؤسسات التعليمية تعاني من ضعف البنيات الأساسية وغياب الربط بالإنترنت، ونقص المرافق الصحية والتجهيزات الرقمية، فضلاً عن إشكالات النقل المدرسي والمطاعم والداخليات والاكتظاظ داخل الأقسام بما يتجاوز الطاقة الاستيعابية.

وسجل الشناق استمرار اختلالات مرتبطة بالدعم الاجتماعي، من بينها تعقيدات نظام “المؤشر” التي حالت دون استفادة عدد من التلاميذ، خاصة الفتيات في الوسط القروي، من منحة الدخول المدرسي، إضافة إلى محدودية تعميم المنح الجامعية وضعف الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، وهي عوامل قال إنها تساهم في تفاقم الهدر المدرسي والانقطاع الجامعي.

وأشار في هذا السياق إلى ما سبق أن أثاره رئيس الحكومة أمام البرلمان حول ارتفاع نسب الهدر المدرسي، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية، معتبراً أن استمرار هذه الوضعية، إلى جانب عدم تعميم المدارس الجماعاتية والمؤسسات الرائدة، يكرس عدم تكافؤ الفرص ويحد من فعالية الإصلاح التعليمي، في ظل غياب معالجة شاملة للتحديات البنيوية التي تعترض المنظومة التربوية.

تسريع مدارس الريادة

أكدت النائبة وسيلة الساحلي، عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي بمجلس النواب، أن ورش إصلاح منظومة التربية والتكوين يكتسي طابعاً استراتيجياً في بناء “المغرب الصاعد”، باعتباره مدخلاً أساسياً لإعداد رأسمال بشري مؤهل وقادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعرفها البلاد، مشددة على أن النقاش حول “مدارس الريادة” يأتي في صلب هذا الورش الإصلاحي، باعتباره أحد أهم الآليات الموجهة لتحسين جودة التعلمات وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

ودعت النائبة إلى تسريع وتيرة تعميم هذا المشروع الإصلاحي، مؤكدة أنه يمثل رافعة أساسية للارتقاء بجودة التعليم داخل المؤسسات العمومية، غير أن نجاحه يظل مشروطاً بضمان شروط الإنصاف المجالي بين مختلف الجهات والأقاليم. كما شددت على ضرورة توفير الإمكانيات البيداغوجية واللوجيستيكية والموارد البشرية الكافية، خاصة في المناطق القروية والجبلية والمجالات الأقل استفادة، حتى لا يظل أثر المشروع محدوداً في بعض المؤسسات دون غيرها، بل يمتد ليشمل جميع التلميذات والتلاميذ على قدم المساواة، بما يكرس الحق الدستوري في تعليم ذي جودة للجميع.

كما أكدت النائبة على أهمية مواصلة توسيع وتطوير التعليم الأولي باعتباره الحلقة التأسيسية في المسار الدراسي، لما له من دور حاسم في تنمية القدرات المعرفية واللغوية والاجتماعية منذ السنوات الأولى، معتبرة أن الاستثمار في هذه المرحلة يشكل مدخلاً أساسياً لبناء مدرسة منصفة وفعالة، قادرة على الاستجابة لطموحات الإصلاح التربوي والتنمية الشاملة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا