شهدت رحاب جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، مساء اليوم الخميس، انطلاق فعاليات اجتماع الربيع لعام 2026 لـ”منتدى باريس للسلام” (Forum de Paris sur la Paix 2026)، في حدث بارز يمتد على مدار يومين من النقاشات رفيعة المستوى والعمل الجماعي المشترك.
وبحسب ما أبرزه المنظمون وجلسات نقاشية، يُركز هذا الاجتماع بشكل خاص على “صياغة مسارات عملية لبناء مستقبل مرن وصامدٍ في عالم يمر بتحولات جيو-سياسية واقتصادية متسارعة”، عبر جدول أعمال يتسق تماما مع أولويات قمة “مجموعة السبع”. ويتمحور حول ثلاثة ملفات استراتيجية ملحة تشمل “النظم الغذائية”، و”منح الأولوية للطفولة”، و”إمدادات الطاقة ومعادن الانتقال الطاقي”.
افتتح الاجتماعَ المؤسسُ المدير العام لمنتدى باريس للسلام، جاستن فايس، بكلمة عبرت عن “تقديره الخالص للمغرب ولرئيس الجامعة على استضافة هذه الدورة”، مذكّرا باللقاء الذي جمع الشركاء قبل عامين في ابن جرير للاشتغال على الانتقالات العادلة، موضحا أن “النسخة الحالية تأتي بعد عامين من الاضطرابات المتزايدة وحالة الفوضى العالمية، والتي كان آخرها إغلاق مضيق هرمز، مما يستدعي التفكير العميق في كيفية حماية مسارات الانتقال الجارية وتأمين استمراريتها، لا سيما في القارة الإفريقية التي تعد محورا رئيسا للنقاش”.
كما استعرض المتحدث “فلسفة منتدى باريس للسلام”، مبينا أنه ليس مركزَ أبحاث تقليديا يكتفي بإصدار التقارير والتوصيات، بل هو “منصة تجميعية تهدف إلى دمج الحلول وتقريب الرؤى بين شبكة واسعة من صناع القرار، والقطاع الخاص، والجامعات، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات المانحة، لدعم وتطوير العمل متعدد الأطراف في مواجهة النزعات الشعبوية وصراعات القوى العظمى التي تشتت الانتباه عن القضايا المصيرية كالصحة والأمن الغذائي ومكافحة الجوع”.
وأشار فايس إلى “مبادرة أطلس” التي أطلقها المنتدى لدعم الانتقالات الفلاحية في إفريقيا، لتغدوَ تحالفا يضم أكثر من خمسين عضوا بارزا، من بينهم الاتحاد الإفريقي والبنك الدولي ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط وشركة دانون، مؤكدا أن مخرجات نقاشات الرباط الحالية ستُرفع مباشرة إلى أعلى المستويات السياسية في قمة مجموعة السبع المقبلة بمدينة إيفيان الفرنسية، وكذا خلال الفعاليات المرتقبة في نونبر المقبل، وصولا إلى قمة مجموعة العشرين برئاسة بريطانيا العام القادم.
من جانبه، بسط يونس عدو، نائب رئيس “INNOVX” المكلف بالأعمال الزراعية وحلول الاستدامة، رؤية مجتمعية واقتصادية حول دور القطاع الفلاحي في صياغة مستقبل القارة السمراء.
وأكد عدّو أن “الزراعة لا تمثل فقط صمام أمان للأمن الغذائي الإفريقي، بل هي المحرك الأكبر لدفع عجلة التنمية والتحول الاقتصادي وتعزيز المرونة المناخية”، مبرزا المفارقة الكامنة في أن هذا القطاع الحيوي يشغل نحو ستين بالمئة من القوة العاملة النشطة في القارة ويساهم بقوة في ناتجها الاقتصادي، لكنه لا يزال يعاني من التجزئة ونقص التمويل والابتكار.
وأوضح أن منبر “أطلس-مافا”، الناشئ عن الشراكة الاستراتيجية بين مؤسسة التمويل الدولية ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، يركز جهوده على حل معضلة التنسيق بين الأولويات الوطنية والقدرات الاستثمارية وتسهيل وصول صغار المزارعين إلى التكنولوجيا والأسواق المستدامة، معلنا أن جلسات العمل ستركز على مسارين عمليين، هما تمويل سلاسل القيمة الزراعية عبر منصة “أغري كونيكت”، ونقل الابتكارات الرقمية والبيئية من طور المشاريع التجريبية المحدودة إلى التطبيق الشامل على نطاق واسع.
استعرض أوغستان غرانجورج، المسؤول عن مبادرات التنمية بمنتدى باريس للسلام، نتائج “بارومتر أطلس” كأداة بيانية متطورة لرصد وتحليل الاستثمارات الموجهة للنظم الغذائية الإفريقية استنادا إلى البيانات الشاملة المتاحة.
وأعلن غرانجورج، في عرض تابعته هسبريس، أن “الاستثمارات الإجمالية شهدت نموا ملحوظا لتصل إلى 48 مليار دولار سنويا وفقا لبيانات عام 2024، غير أن هذا الحجم لا يزال بعيدا عن تطلعات واحتياجات القارة التي يقدّرها البنك الدولي بما بين 100 و200 مليار دولار سنويا لضمان إطعام السكان وتحقيق الركائز الاقتصادية التنموية”.
المتحدث نبّه إلى “وجود اختلالات هيكلية حادة، حيث تخصص إفريقيا ثلاثة بالمئة فقط من إجمالي استثماراتها للقطاع الزراعي مقارنة بنحو عشرة بالمئة في جنوب آسيا والهند، كما أن التمويل الحكومي يواجه صعوبات جمة، حيث لم تنجح أي دولة إفريقية في تحقيق هدف تخصيص عشرة بالمئة من ميزانيتها للزراعة المقرر منذ عام 2004، فضلا عن تركز ستين بالمئة من الاستثمارات الكلية وخمسة وسبعين بالمئة من الاستثمارات الخاصة في عشر دول فقط، يبرز من بينها المغرب ونيجيريا كبيئتين جاذبتين ومستقرتين”.
واختتم المسؤول عينه عرضه بـ”التحذير من تزايد الهشاشة الهيكلية الناجمة عن تسارع التغيرات المناخية التي فاقت جهود التكيف، بجانب تداعيات أزمة الشرق الأوسط الحالية التي تسببت في اضطراب سلاسل إمداد الطاقة والحبوب ورفع تكاليف الشحن”.
وخلص إلى أن الأزمة الراهنة “تؤثر بشكل مضاعف على القارة؛ كون الدول الإفريقية تستورد 70 بالمئة من أسمدتها ويمر 30 بالمئة منها عبر هذا الممر المائي الحيوي، مما يعرقل الصادرات والواردات على حد سواء”، متوقعا ظهور تبعات ملموسة لهذه الاضطرابات خلال الأشهر الستة إلى التسعة المقبلة؛ ما يفرض على المشاركين في المنتدى، وبحضور مسؤولي البنك الدولي ومؤسسات الاستشارة الدولية، “صياغة حلول تمويلية عاجلة لبناء شبكة أمان مرنة تدعم القطاع الخاص والمنظومة الفلاحية برمّتها”.
المصدر:
هسبريس