آخر الأخبار

ثقافة “التشناقت”.. حين يتحول الاحتياج إلى سوق مفتوح للنهب

شارك

د. عز الدين الخو

لم يعد مصطلح “الشناقة” مجرد كلمة عابرة في القاموس الشعبي المغربي، بل أضحى توصيفًا دقيقًا لثقافة اجتماعية واقتصادية تتغذى على الأزمات، وتزدهر مع اختناق الناس، وتقتات من عرق المحتاجين وآلامهم. فالـ“شناق” في المخيال الشعبي ليس تاجرًا عاديًا، بل شخص يترصد حاجات الناس، يشتري في لحظات ضعفهم، ويبيع في أوقات اضطرارهم، ويحوّل كل أزمة إلى موسم للغنيمة.

ومع اتساع هذه الظاهرة، برز مصطلح آخر لا يقل دلالة وخطورة، هو “الفراقشية”، وهم أولئك الذين يجوبون الأسواق والقرى والمناطق الهامشية بحثًا عن الفرص السهلة، يقتنون بأبخس الأثمان ويبيعون بأغلاها، مستفيدين تارة من الجهل، وتارة من الحاجة، وفي كل الأحوال من غياب الضمير.

غير أن الأخطر في الأمر هو أن “التشناقت” لم تعد سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحولت إلى عقلية عامة وثقافة متغلغلة في مختلف المجالات. فهناك شناقة في الأسواق، وفي العقار، وفي السياسة، وفي الانتخابات، بل وحتى في القيم والمواقف. إنها فلسفة تقوم على مبدأ واحد: كيف يمكن الاستفادة من ضعف الآخر؟
في زمن الأزمات، ينكشف الشناق الحقيقي. فعندما ترتفع الأسعار أو تشتد الحاجة، يظهر من يخزن السلع لا للاستهلاك، بل لمضاعفة أثمانها، ومن يحتكر دون وازع، ومن يحوّل معاناة الناس إلى فرصة استثمارية. وكأن بعض النفوس لا تزدهر إلا فوق أنقاض الآخرين.

أما “الفراقشية”، فقد تجاوزوا مفهوم التجارة البسيطة ليصبحوا رمزًا للانتهازية الاجتماعية. إنهم لا يشترون السلع فقط، بل يشترون ظروف الناس وهشاشتهم وفقرهم وقلة حيلتهم. يتسللون إلى البيوت المتعبة والأسواق المنسية، بحثًا عن كل ما يمكن تحويله إلى ربح، ولو كان ذلك على حساب الكرامة الإنسانية.

والأدهى من ذلك أن المجتمع بدأ يتعايش مع هذه الثقافة بشكل مقلق، حتى صار البعض يعتبر “الفهلوة” و”اقتناص الفرص” نوعًا من الذكاء الاجتماعي، ولو كانت قائمة على الاستغلال. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يتحول الجشع إلى مهارة، والانتهازية إلى شطارة، والاحتكار إلى “رزق مشروع”.

إن ثقافة “التشناقت” ليست مجرد أزمة أخلاقية، بل هي انعكاس لاختلالات أعمق، من بينها ضعف الرقابة، وهشاشة الوعي، وتراجع قيم التضامن، وهيمنة منطق الربح السريع بأي ثمن. ففي المجتمعات السليمة يُقاس النجاح بما يضيفه الفرد للمجتمع، أما في مجتمعات “التشناقت” فيُقاس بقدرته على تحقيق المكاسب ولو على حساب الآخرين.

لقد أصبح البعض يتعامل مع الوطن كسوق مفتوحة، لا كفضاء مشترك للحياة والكرامة. فالمواطن لم يعد يُنظر إليه كإنسان له حقوق، بل كزبون دائم أو فريسة محتملة. وهكذا تتحول العلاقات الاجتماعية من روابط تضامن إلى علاقات افتراس ناعم، يأكل فيها القوي الضعيف باسم التجارة أو الذكاء أو “الخبرة الحياتية”.

إن أخطر ما في “التشناقت” أنها لا تدمر الاقتصاد فحسب، بل تقوّض الثقة بين الناس. فعندما يشعر المواطن أن الجميع مستعد لاستغلاله، يفقد الإحساس بالأمان الاجتماعي، ويتحول المجتمع إلى غابة مقنّعة بالقوانين والأعراف.

ولعل السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: من هم الشناقة؟ بل: كيف أصبحنا نتعايش مع هذه الثقافة إلى هذا الحد؟ وكيف تحولت قيم نبيلة كالتجارة والعمل والربح إلى أدوات لامتصاص معاناة المحتاجين؟

فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الأزمات، بل تنهار حين يصبح الجشع فضيلة، والرحمة سذاجة، والاستغلال مهارة يُصفّق لها الجميع. وعندها لا يعود “الشناق” مجرد فرد، بل يتحول إلى عقلية تتسلل إلى المجتمع، وتعيد تشكيل قيمه على صورة الطمع والانتهازية.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا