يكشف تحقيق علمي جديد مضامين مخطوط حول فترة من تاريخ المغرب بعد منتصف القرن السابع عشر، تؤرخ لنزاع قبلي ضخم، تنافسا على منجم نحاس في عمق الأطلس الصغير، قبيل استتباب الحكم للسلطان المولى رشيد، وهو عمل صادر عن مطبعة صوم برانت بأكادير، ورقمه السادس ضمن “سلسلة الرسائل السوسية المحققة”.
هذه الوقائع الغميسة صدرت في كتاب بعنوان “أنباء ما جرى بين أهل المراكد والهلاليين”، ألفه الفقيه عبد الله بن الحاج شعيب الهلالي، وحققه وقدم له المحقّق المهدي بن محمد السعيدي الذي شدد على أن مثل هذه الذخائر التي تمثلها “الرسالة التي بين أيدينا، تؤكد أن رصيدنا التاريخي المغربي لم يُستنفد بعد، وأن عددا كبيرا من المخطوطات ينتظر من يزيح عنها الغبار ويحققها وينشرها”.
ويوضح المحقق أن مؤلف الرسالة التي صار بإمكان القراء قراءتها هو “عبد الله بن الحاج شعيب بن حسين بن إبراهيم بن عبد العزيز الهلالي التاليضلائي، وهو عالم من علماء سوس ممن طواهم الإهمال، فلم تلتقط كتب التراجم سيرته، رغم سكناه منطقة حافلة بالعلماء والمدارس العتيقة. موطنه الأصلي قرية تاليضلا الهلالية في جبال الأطلس الصغير بإقليم تارودانت (بقرب أيت عبد الله وإيغرم). ولا تتوفر معلومات عن طفولته أو شيوخه، باستثناء إشارة عابرة إلى شيخه أبي عبد الله بن أبي مدين الهلالي (وهو من القرية نفسها)، حيث جاء ذكره في كتاباته؛ إذ كان مؤلفه هذا ردا على رسالة وردته منه (…) كان الفقيه من كبار قريته: فقد أقام صفا جديدا في مسجد تاليضلا، وأدخل فيه صلاة الجمعة، وشيد مخزنا عاما للحبوب بقريته، وسجل عرف حصن تاليضلا وسطح الأقرع سنة 1080هـ. كان يمارس الفلاحة والرعي لكسب عيشه، ولم يكن يتقاضى أجرا على تدريس المساجد (…) من أبرز آثاره: قاموس لغوي يشرح المفردات العربية بالأمازيغية (الشلحية)، نشره المستشرق الهولندي نيكو فان دن بوگيرت مترجما للفرنسية عام 1998. ودراسة حول الأعراف والألواح (مقدمة لوح حصن تاليضلا سنة 1080هـ). ومنظومة شعرية تصف صفات الرجال والنساء والحب وطبيعة الإنسان (أنهاها حوالي 1075هـ، ونسخت سنة 1118هـ). ونصان وعظيان (أحدهما في توبيخ القضاة والفقهاء المتهالكين على الدنيا)”.
أما الرسالة المحققة، فيقول الباحث إنها “وثيقة تاريخية ثمينة، دوّنها شخص عايش الأحداث بنفسه، يصف فيها ما رآه أو بلغه من وقائع وصراعات ومعارك بين القبائل بزعامة رؤسائها المتآمرين، وفي سياق سرده يتناول أحوال المجتمع ووضعية الفقهاء والطرقيين، مركزا على تردي الأوضاع وانشغال غالبية الناس بمصالحهم الذاتية”.
ويوضح تقديم الكتاب الجديد أن رسالة “أنباء ما جرى بين أهل المراكد والهلاليين” تدور فصولها “حول نزاع قبلي ضخم وقع سنة 1665م (حوالي 1075-1076هـ) بين فئتين هما أهل المراكد والهلاليون، وكان السبب الجذري له منافسة حامية على منجم نحاس بمدينة تازالاغت في عمق الأطلس الصغير. شهدت المنطقة عمليات قتل ونهب واسعة، في ظل الفوضى العارمة التي عمت المغرب بعد انهيار الدولة السعدية، وتحديدا عقب وفاة أبي حسون السملالي زعيم إمارة إيليغ سنة 1659م (1070هـ)، وقبل استتباب الأمر للسلطان العلوي المولى الرشيد سنة 1670م تقريبا”.
ويرسم الشاهد في مخطوطه “صورة قاتمة لحالة سوس التي كانت تعج بالصراعات الحادة في ظل غياب سلطة مركزية قوية وممثليها. فقد تراجعت هيبة المخزن، بينما تصاعد نفوذ قواد القبائل والعرفاء المحليين الذين أصبحت الأمور بأيديهم، وفي المقابل ضعفت مكانة العلماء والفقهاء والصلحاء لعدم وجود سند يقويهم. وبذلك اشتعلت النزاعات وتعددت المعارك والحروب بين التحالفات القبلية، مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا، وانتشرت الاضطرابات والفوضى في المنطقة خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ المغرب. كما يقرر المؤلف أن التمسك الظاهري بالدين والإيمان لم يكن قد نفذ إلى جوهر سلوك الناس وأخلاقهم؛ فكلا الطرفين المتقاتلين كانوا مسلمين يتلون القرآن ويواظبون على الأذكار، لكنهم ابتعدوا عن محاكاة أفعالهم بموازين الشرع وقيم العدل، وخضعوا للهوى والعصبية القبلية، فاتخذوا من الرؤساء الجهلاء قادة لهم”.
وبالتالي، يؤكد المحقق أن أهمية الرسالة تكمن في إلقائها الضوء على “زاوية معتمة ومجهولة من تاريخ سوس، في مرحلة الفراغ السياسي الذي أعقب السعديين وسبق العلويين”.
ويورد المهدي بن محمد السعيدي أن هذا العمل يسهم في “إغناء المكتبة التاريخية المغربية بمادة محلية أصيلة، في إطار كتابة تاريخ وطني شامل يمنح كل منطقة حقها، بعيدا عن التركيز المطلق على المراكز الحضرية الكبرى”، كما يقدمه بوصفه مثالا حيا على “ضرورة البحث عن المخطوطات المغمورة في الخزانات، وإخراجها إلى النور لكشف جوانب خفية من التاريخ المحلي والجهوي للمغرب، مما يؤكد أن تراث سوس-والتراث المغربي ككل-لا يزال يحوي كنوزا تنتظر من يكتشفها ويحققها”.
المصدر:
هسبريس