هبة بريس – عبد اللطيف بركة
تتجه الأنظار في كل من المغرب وفرنسا نحو الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس، في لحظة سياسية دقيقة تعكس تحولا لافتا في مسار العلاقات الثنائية بعد فترة من الفتور والبرود الدبلوماسي.
هذه الزيارة لا تقرأ فقط كبروتوكول تقليدي، بل كإشارة قوية إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية بين الرباط وباريس في سياق دولي وإقليمي متغير.
الإعلان الذي أدلى به وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عقب مباحثاته مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في الرباط، لم يكن مجرد تأكيد لزيارة مرتقبة، بل حمل في طياته رسائل سياسية عميقة، أبرزها رغبة باريس في طي صفحة التوترات السابقة والانخراط في دينامية جديدة قوامها الشراكة المتوازنة والبراغماتية، ويأتي ذلك في ظل إدراك فرنسي متزايد للأهمية الجيوسياسية التي بات يحتلها المغرب، سواء على مستوى الاستقرار الإقليمي أو كفاعل محوري في القارة الإفريقية.
وخلال السنوات الأخيرة، عرفت العلاقات المغربية الفرنسية نوعا من التذبذب، خاصة في ظل تباينات في بعض الملفات الحساسة، غير أن التحولات الدولية، بما فيها إعادة تشكيل التحالفات وتنامي الأدوار الإقليمية، دفعت باريس إلى مراجعة مقاربتها تجاه الرباط، التي رسخت موقعها كشريك موثوق في مجالات الأمن والهجرة والتنمية.
وتحمل الزيارة المرتقبة أبعادا استراتيجية متعددة، إذ يُنتظر أن تشكل أرضية لإطلاق جيل جديد من الاتفاقيات الثنائية، تشمل قطاعات حيوية كالدفاع والاستثمار والطاقة والثقافة.
كما أن الرهان الأكبر يتمثل في إعادة بناء الثقة السياسية بين البلدين، على أساس احترام المصالح المتبادلة وتجاوز منطق الوصاية التقليدية الذي لم يعد ينسجم مع التحولات الحالية.
في هذا السياق، يبرز ملف الصحراء كأحد المحددات الأساسية في مسار التقارب، حيث تواصل باريس التعبير عن دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب، وهو ما يشكل نقطة ارتكاز في تعزيز التفاهم السياسي بين الطرفين. هذا الدعم، وإن كان حذرا في بعض مراحله، إلا أنه يعكس تحولا تدريجيا في الموقف الفرنسي نحو مزيد من الوضوح.
كما تعكس هذه الزيارة إدراكا مشتركا بضرورة توسيع مجالات التعاون نحو إفريقيا، حيث يسعى البلدان إلى توحيد جهودهما في مشاريع تنموية واستثمارية بالقارة، مستفيدين من الحضور المغربي المتنامي هناك والخبرة الفرنسية التقليدية.
وبهذا تبدو زيارة الملك محمد السادس إلى باريس أكثر من مجرد محطة دبلوماسية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة البلدين على إعادة صياغة علاقتهما بما يتماشى مع رهانات المرحلة. فإما أن تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية المتكافئة، أو تظل مجرد محاولة ظرفية لاحتواء خلافات عابرة دون معالجة جذورها العميقة.
المصدر:
هبة بريس