في خضم الجدل المتصاعد حول مستقبل بعثة “المينورسو” أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لا ينبغي أن تتحول إلى آليات دائمة أو بدائل عن الحلول السياسية، مشددا على ضرورة استناد هذه المهام إلى أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، مع إخضاعها لتقييم منتظم يراعي تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية.
وجاءت تصريحات بوريطة، خلال أشغال المؤتمر الوزاري الثاني حول عمليات حفظ السلام في الفضاء الفرانكفوني المنعقد بالرباط، في سياق النقاش الدولي الدائر حاليا بشأن فعالية بعض البعثات الأممية الممتدة لسنوات طويلة دون تحقيق اختراقات سياسية حاسمة، خاصة في مجال الدول الفرانكفونية، لافتا إلى أن “نجاح هذه العمليات يظل مرتبطا بقدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية والأمنية، بعيدا عن تكريس منطق الجمود وإدامة الأزمات”.
وشدد وزير الخارجية المغربي على أن الأمم المتحدة مطالبة اليوم باعتماد مقاربات أكثر مرونة وواقعية، تقوم على تحديد تسميات وأولويات واضحة وقابلة للتنفيذ، بدل الاستمرار في تغذية “وعود غير قابلة للتحقق”، مشيرا إلى أن الحفاظ على الاستقرار لا يمكن أن ينفصل عن الدفع الجدي نحو تسويات سياسية مستدامة تحظى بقبول الأطراف المعنية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل الحركية الدبلوماسية المتواصلة التي يشهدها ملف الصحراء، عقب اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، الذي كرّس من جديد مقاربة الحل السياسي الواقعي والتوافقي، وسط تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي، كما تتزامن مع نقاشات جدية داخل الأوساط الدولية بشأن مستقبل بعض بعثات الأمم المتحدة وطبيعة الأدوار المنتظرة منها خلال المرحلة المقبلة.
تعليقا على الموضوع قال محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية والحكامة الترابية بجامعة القاضي عياض، إن ملف الصحراء المغربية عرف خلال المرحلة الأخيرة تحولات مهمة، ولا سيما على مستوى الاعتراف المتزايد بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مبادرة جدية وواقعية وذات مصداقية، إضافة إلى مخرجات القرار الأممي 2797 الذي عزز هذا التوجه وجعل منه أرضية مركزية لأي حل سياسي بين الأطراف المعنية.
ويعزو المتحدث قوله إلى كون هذه التحولات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء على مواكبة السياق الجديد، بالنظر إلى أن مهامها الأصلية التي تأسست سنة 1991 كانت مرتبطة أساسا بمراقبة وقف إطلاق النار، والتنقيب عن الألغام، ودعم مسارات بناء الثقة، وتسهيل عمل المبعوث الشخصي للأمين العام.
وعرج محمد الغالي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن التطورات السياسية الجارية تفرض إعادة تقييم وظيفة البعثة في ظل التحولات التي يعرفها مسار التسوية، خاصة مع وجود مفاوضات نشطة تهدف إلى تنزيل مضامين القرار الأممي وإيجاد صيغة اتفاق بين الأطراف المعنية، بما فيها المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
وفي السياق ذاته يرى أستاذ العلوم السياسية والحكامة الترابية أن استمرار العمل بالتصور التقليدي للبعثة لم يعد منسجما مع الواقع السياسي الجديد، خصوصا في ظل النقاش المتزايد حول الانتقال إلى مرحلة ترتكز على حل سياسي نهائي في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما يستدرك المحلل نفسه بأنه لا يمكن تصور هذه المرحلة الانتقالية إلا ضمن شروط واضحة تحترم مبدأ السيادة وتنسجم مع التوافق الدولي المتنامي حول واقعية المقترح المغربي، مع ضرورة تفادي أي مقاربة قد تعيد إنتاج منطق تدبير الوضع القائم بدل الحسم فيه.
وحسب المهتم بنزاع الصحراء فإن هذه المرحلة تقتضي إعادة ضبط طبيعة مهام البعثة الأممية بما يتلاءم مع التحولات الجارية، في أفق الإسهام في الانتقال نحو تسوية نهائية ومستقرة للنزاع.
وأجمل الغالي بقوله إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لبيئة إقليمية جديدة قائمة على الاستقرار والأمن والسلام، في إطار تنزيل مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
من جانبه سجل الفاعل السياسي دداي بيبوط أن منبر المؤتمر الوزاري الثاني لحفظ السلام بالفضاء الفرانكفوني المنعقد بالرباط حمل رسائل سياسية واضحة موجهة إلى الشركاء الدوليين وإلى منظومة الأمم المتحدة، في سياق نقاش متجدد حول أداء بعض بعثات حفظ السلام وطول أمدها.
وأوضح بيبوط ضمن إفادة لهسبريس أن التصريحات الصادرة عن وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، تعكس مقاربة نقدية لعمل البعثات الأممية، ولا سيما تلك التي فقدت، بحسب تعبيره، قدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن الإشارة إلى خطر تحولها إلى “آليات دائمة” تعيد النقاش إلى جوهر فعالية منظومة حفظ السلام.
وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن هذا الطرح يرتبط بإعادة تعريف دور البعثات الأممية في سياق دولي جديد، إذ أشار إلى ما يعتبره “تكلسا مؤسسيا” يطال عددا من هذه العمليات، بما يشمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، التي يرى أنها تحولت مع مرور الزمن إلى إطار تدبيري للوضع القائم أكثر من كونها أداة لتسوية نهائية.
واسترسل المحلل السياسي ذاته بأن النقاش الحالي لا ينفصل عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء، خاصة في ظل تنامي دعم مقاربة الحكم الذاتي، وصدور القرار الأممي 2797، الذي يعد مؤشرا على ترسخ منطق الحل الواقعي والتوافقي داخل أروقة مجلس الأمن.
كما استحضر المصرح لهسبريس أن الدينامية الدبلوماسية الجارية، خصوصا تلك التي تقودها الولايات المتحدة عبر مسارات تفاوضية متعددة الأطراف، تعكس انتقالا تدريجيا نحو مقاربة أكثر براغماتية في تدبير هذا النزاع المفتعل، بعيدا عن الطروحات التقليدية غير القابلة للتطبيق.
ونبه المهتم بخبايا النزاع إلى أن استمرار اشتغال بعض البعثات الأممية وفق منطق التفويض المفتوح زمنيا، دون مراجعة جوهرية للمهام والأهداف والتسمية، قد يكرس حالة الجمود بدل الدفع نحو الحلول السياسية؛ وهو ما يجعل الدعوة إلى التقييم الدوري وإعادة ضبط الأولويات ذات راهنية متزايدة، واستدرك قائلا: “إن مقاربة إصلاح منظومة حفظ السلام، كما وردت في الخطاب المغربي، لا تقتصر على البعد المرتبط بملف الصحراء فقط، بل تندرج ضمن تصور أوسع لإعادة هيكلة فعالية التدخلات الأممية في مناطق النزاع، بما يضمن الانتقال من إدارة الأزمات إلى تسويتها”.
وخلص دداي بيبوط إلى أن الرسالة السياسية المتضمنة في هذا الخطاب تتجه نحو الدفع في اتجاه مراجعة تدريجية لأدوار البعثات الأممية، بما يجعلها أكثر ارتباطا بمرافقة الحلول السياسية بدل الاكتفاء بمراقبة الوضع القائم، في أفق توافق دولي مازال قيد التشكل حول طبيعة هذا التحول.
المصدر:
هسبريس