كشفت المندوبية السامية للتخطيط في تقرير حديث عن تفاوتات صارخة في المعاشات التقاعدية بين الجنسين في المغرب، حيث لا تتجاوز نسبة النساء البالغات 60 سنة فأكثر اللواتي يتقاضين معاشا تقاعديا فعليا 15 في المائة، مقابل 37 في المائة لدى الرجال، محذرة من أن هذه الفجوة المؤثرة ليست وليدة انقطاع مفاجئ في نهاية المسار المهني، بل هي نتيجة حتمية لتراكم عدم المساواة طوال دورة الحياة النشيطة.
وأوضحت المؤسسة الرسمية في تقريرها المعنون بـ”القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي: ديناميات التفاوتات التراكمية والانتقال بين الأجيال”، أن هذه النتائج تأتي في سياق تقييم مسار ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2021، والذي يروم توسيع التغطية الصحية وإدماج العاملين غير الأجراء في أنظمة التقاعد، تماشيا مع أهداف النموذج التنموي الجديد لتعزيز العمل اللائق وتوسيع الإدماج الاقتصادي وضمان الاستدامة.
وأكدت الوثيقة أن فجوة المعاشات التقاعدية تشكل تعبيرا مؤجلا ومتبلورا لآثار ثلاثية معقدة تتكون من انتشار الاقتصاد غير المهيكل، وضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، وتسارع التحول الديموغرافي، مبرزة أن الاقتصاد المغربي يستوعب أكثر من ثلاثة أرباع مجموع التشغيل في القطاع غير المهيكل الذي يضم أكثر من مليوني وحدة إنتاجية تتسم بالهشاشة وضعف التغطية الاجتماعية.
وأشار التقرير إلى أن مسارات تراكم الحقوق التقاعدية تتأثر بشدة بضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، والتي قدرت بـ 19,1 في المائة سنة 2024 مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال، مفسرا أن 70 في المائة من النساء المشتغلات يتواجدن في الاقتصاد غير المهيكل ضمن أوضاع غير مساهمة كالمساعدة العائلية غير المؤدى عنها، في حين يهيمن الرجال على أشكال العمل المستقل أو الشغل المأجور الذي يولد دخلا ويسمح بتراكم حقوق التقاعد.
وأضاف المصدر ذاته أن التحول الديموغرافي السريع سيزيد من حدة هذه الاختلالات وصعوبة تمويل المعاشات، حيث ستنتقل نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر من 9,4 في المائة سنة 2014 إلى 23,2 في المائة في أفق سنة 2050، مما سيرفع نسبة إعالة المسنين لتصل إلى 39,4 في المائة، وهو ما يحول اختلالات التراكمات السابقة المتمثلة في هشاشة الشغل إلى التزامات مستقبلية ثقيلة تضغط على أنظمة التقاعد.
وتابع التحليل المنجز التمييز بين مؤشرين متكاملين لقياس الفجوة التقاعدية، حيث بلغت نسبة معاشات النساء مقارنة بالرجال سنة 2020 حوالي 11,1 في المائة بالنسبة للمعاشات الفعلية الحالية، بينما بلغت 31,0 في المائة بالنسبة للمعاشات التقاعدية المحتملة للأجيال النشيطة، مسجلا فارقا يقارب 19,9 نقطة مئوية يعكس لحاقا جيليا بطيئا بين المتقاعدات والنساء اللواتي ما زلن في سوق الشغل.
وأفادت المندوبية السامية بناء على نماذج محاكاة استشرافية تمتد إلى غاية 2070، أن هذا التقارب الجيلي في الحقوق التقاعدية سيصطدم بسقف هيكلي في غياب تدخلات موجهة، حيث لن يرتفع معدل نشاط النساء إلا بنحو 3,4 نقاط خلال خمسين سنة، ليبدأ إيقاع التقارب في التباطؤ انطلاقا من سنة 2040، ويتوقف التجديد الجيلي عن توليد مكاسب إضافية بحلول سنة 2065، لتستقر نسبة المعاشات النسائية مقارنة بالرجالية في حدود 40,3 إلى 41,4 في المائة.
ولفتت المندوبية الانتباه إلى أن تفعيل سياسات العرض بشكل منفصل، كزيادة المشاركة فقط، يؤدي إلى توسع الاقتصاد غير المهيكل وتدهور تنظيم تشغيل النساء، حيث يقع أكثر من ثلثي فرص الشغل المحدثة في هذا القطاع، مما يؤدي إلى انخفاض متوسط الأجر المنظم للنساء بنسبة 8,0 في المائة على المدى الطويل، وهو ما يعني أن تحسن الموارد الفردية لا يترجم تلقائيا إلى فرص شغل منظمة تضمن المعاش التقاعدي.
واستطردت الوثيقة أن قيد الاستيعاب والاقتصاد غير المهيكل يفرزان مفاضلة معقدة، حيث إن سياسات الطلب وتقليص معوقات سوق الشغل تساهم في خفض البطالة وتسمح بتحقيق مكاسب تنظيمية، لكن أثرها على حجم التشغيل الإجمالي يظل محدودا، في حين أن سياسات العقوبات الموجهة ضد القطاع غير المهيكل تحسن التنظيم لكن ذلك يتم على حساب تقلص التشغيل وارتفاع البطالة وتضرر المسارات المساهمة في التقاعد.
وبينت مخرجات الدراسة أن اعتماد سياسة مندمجة تجمع بين تحفيز العرض والطلب قادرة على تحسين المعاشات التقاعدية للنساء بنسبة 36,4 في المائة في أفق سنة 2070، موضحة أن هذا التقارب يختلف حسب المستوى التعليمي، حيث يتحقق لدى الحاصلات على التعليم العالي عبر ارتفاع الحقوق النسائية دون الإضرار بحقوق الرجال، بينما يترافق لدى الفئات ضعيفة التأهيل مع ضغط واضح على الحقوق التقاعدية الذكورية.
وسجلت المؤسسة تحذيرا هاما بخصوص الإصلاحات الحالية، حيث اعتبرت أن التوسع الأخير في التغطية الصحية، ورغم إيجابياته الملموسة في الولوج للحماية، لا يخلق في حد ذاته حقوقا تقاعدية مساهمة، مؤكدة أن عمليات التسجيل لا تتحول تلقائيا إلى حقوق فعلية بسبب عدم انتظام المساهمات، خاصة لدى العمال ذوي الدخل غير المستقر.
وخلص التقرير إلى أن الشيخوخة السريعة للسكان لا تمثل سببا مستقلا لأزمة التقاعد بقدر ما تمثل عاملا مضاعفا لاختلالات تراكمت في المراحل السابقة من دورة الحياة، مشددا على أن ضمان استدامة أنظمة التقاعد وتجاوز عدم المساواة يظل رهينا بالقدرة على تنسيق التحولات الهيكلية في سوق الشغل في المراحل الأولى من الاندماج المهني للأجيال الحالية التي تشكل قاعدة المساهمين المستقبلية.
المصدر:
العمق