بعد رحيل محمد المليحي، أحد أبرز الفنانين التشكيليين المغاربة، يكتب معرض جديد بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالعاصمة الرباط “إرثه الفني”، مقدما حيوات عاشها، لا في إبداعه الشخصي فقط؛ بل في إعادة استلهام الفنون المغربية وغير المغربية بعد قطيعة الاستعمار، وتجديد كتابة تاريخ فنون العالم بعيدا عن اختزالات المركزية الأوروبية، فضلا عن أفكاره وآثاره في الفضاءات العمومية وفي منتجات “صالَح” الفنون المعاصرة معها.
في المعرض يجد الناظر المليحي قبل المليحي، أي رسوماته وتشكيله الأول قبل أن يصير له أسلوبٌ خاص يعرف به، هو موجته، وألوانه، ذات الطبيعة والأشكال الهندسية الخاصة؛ فتحضر رسومهُ للطبيعة، والمدن العتيقة المغربية، وتدرجات ألوان تقترب من الانطباع، مرورا بتجريد، قريب من عوالم الجيلالي الغرباوي، وألوان ومواد غير بعيدة عن بصمة أحمد الشرقاوي، ومحاولات أخرى للتجريب “الهندسي”.
وبين سنتي الولادة والرحيل، يموضع المعرض الجديد مسارا فنيا امتد سبعة عقود، ويقدم مسار تشكل علامة فنية، من أصيلة (أزيلا) إلى مدرسة الفنون الجميلة بتطوان أوائل خمسينيات القرن العشرين، فدراسة الفنون بإسبانيا ثم فرنسا وإيطاليا، فتدريسها بالولايات المتحدة الأمريكية وبمدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة.
هذه المحطة الأخيرة يخصص لها معرض متحف الفن الحديث والمعاصر بالرباط وقفة خاصة، ويؤرخ دليله لها بقول: “يعود محمد المليحي إلى المغرب سنة 1964، وبدعوة من فريد بلكاهية، مدير المدرسة البلدية للفنون الجميلة بالدار البيضاء، يلتحق بهيئة التدريس بالمؤسسة حيث يدرّس الرسم والنحت بين 1964 و1969، ويؤسس قسم التصوير الفوتوغرافي، بالتعاون مع رفيقه محمد شبعة وفريد بلكاهية، وبدعم قوي من مؤرخة الفن توني مارايني، وكذا خبرة بيرت فلينت، شرع المليحي في تطوير منهج تعليمي جديد، بتطبيق ممارسات تعليمية مرتبطة بالتراث الفني للمغرب. وهكذا، أصبحت المدرسة رافعة حقيقية لبناء ثقافة وطنية، ومنصة للتكوين والبحث والنشر والعمل الفني والاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال”.
وفضلا عن الرحلات الفنية إلى مناطق متعددة من المغرب، من بينها الأطلس الكبير والأطلس الصغير وسوس، وثمار ما جمع حول فنونها في “إدماج عناصر الثقافة المادية في العمل الفني والبيداغوجي”، يتوقف المعرض عند إصدارات عممت هذا الزخم البحثي مثل مجلات “مغرب آرت”، ثم “أنفاس” التي صار المليحي مديرها الفني، ومجلة “انتغرال”.
ولا يكتفي معرض “محمد المليحي.. إرث فني” بتقديم المحطات المعهودة في الحديث عن مسار هذا العلَم التشكيلي؛ بل يقدّم لمحات أخرى مثل المليحي بعين التشكيلي البارز الراحل محمد شبعة، وعلاقة المليحي بالخط، خاصة العربي واللاتيني، في الملصقات والأغلفة.
ويروي المعرض قصص لحظات فنية رمزية مهمة في تاريخ الفنون بالمغرب بعد الاستقلال، كان المليحي في قلبها، هي لحظة عرض فنون معاصرة بساحة جامع الفنا بمراكش سنة 1965، ومحطة الفنون بمستشفى الأمراض النفسية برشيد سنة 1981، و”موسم أصيلة الثقافي”، الذي أصبح له صيت بارز عربيا وإفريقيا وفي ما وراء المجالين الجغرافيين المذكورين في عوالم الثقافة والأدب والفنون المعاصرة، وهو الموعد الذي أسّسه المليحي ورفيقه في الدراسة والعيش منذ المرحلة الابتدائية محمد بن عيسى، الفوتوغرافي والصحافي، الذي صار بعد ذلك وزيرا للثقافة وللخارجية ورئيسا للمجلس البلدي لمسقط رأسهما.
“موسم أصيلة الثقافي”، المستمرِّ عطاؤه بالمغرب منذ ما يقرب نصف قرن ولو رحل مؤسّساه، كان مختبرا بارزا للفنون في علاقتها بالفضاء العام، ولإعادة صياغة صورة واسم مدينة عبر الثقافة، حتى صار اسم المدينة، خارج المملكة، مترادفا مع الجداريات المتجدّدة سنويا، والنقاش الفكري، والتداول السياسي المثقف.
ويحضر في المعرض المليحي متعددا، ببحثه عن الجذور والأغصان المغربية بتنوّعها، وتعلّمه وتعليمه في أوروبا واستمراريتها الأمريكية، وبحثه وعرضه في جانب آخر من القارة الإفريقية هو جنوب الصحراء حيث كان إلى جانب فريد بلكاهية مشاركا منذ الدورة الأولى للمهرجان العالمي للفنون السوداء بداكار، مع إطلالته على أمريكا الجنوبية في محطات؛ من بينها “الأولمبياد الثقافية بمكسيكو”، فضلا عن امتداده العربي، مع “الجمعية العربية للفنانين التشكيليين”، ومحطات متعددة من العمل المشترك مع فنانين من دول المنطقة المتحدثة بالعربية؛ من بينها معرض “فلسطين” في سنة 1975، الذي “نظمه اتحاد الفنانين التشكيليين العرب برواق باب الرواح بالرباط”، ويوثقه معرض متحف محمد السادس بالمدينة نفسها.
في هذا المعرض لا تتحدث الوثيقة، واللوحة، والمنحوتة فقط؛ بل المليحي نفسه يقدّم شهادته في قاعة عروض خاصة، حول رؤيته في فنه ومنهجه وتصوّره حول تاريخ الإبداع، وممكنات العطاء، و”حدود” الفنون، وغير ذلك.
كما ينتخب الموعد آثارا للمليحي في الحياة العامة، بناء على تصور غذّاه به موقع الجمال، سواء كان خطا أو تزويقا أو ترصيعا أو نقشا أو طرزا أو غير ذلك في الفضاءات الخاصة والعامة في تاريخ المغرب، وموقع الفنون في سيرورة الحياة المعاصرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع استلهام تجارب “أوروبية”؛ مما جعل المليحي رائدا، بالمغرب، في دمج جيل جديد من الفنون في مشاريع خاصة وعامة، ومصالحة “التشكيليين” مع هذا التوجه.
ومن اللوحات ذات بصمة المليحي الخاصة، إلى بصماته الجديدة في عقد حياته الأخير، مرورا بخربشاته الموقّعة على المذكرات على سبيل المثال لا الحصر، وآثاره في الفضاء العام وكتابة تاريخ الفنون وإعادة تصوّر المغرب والإبداع، يقترح المعرض قراءة في “عالم المليحي الذي يترك لنا إرثا فنيا ذا بعد كوني، مع بقائه راسخا في هويته الوطنية”، كما يؤرخ لحركة مواطن ترمز إلى “حركة جماعية، ومجتمع في طور التحول”.
المصدر:
هسبريس