على امتداد الطريق الوطنية رقم 10 الرابطة بين ورزازات وتازناخت، وتحديداً بجماعة أيت زينب، تستوقف الزائر ضيعة فلاحية تنبض بالحياة وسط طبيعة الجنوب الشرقي للمملكة. هناك، حيث تتعانق زرقة السماء مع هدوء الواحات، تشق ضيعة “إيزا أروم” طريقها كتجربة فلاحية واعدة حولت الأعشاب الطبية والعطرية إلى مشروع تنموي وصحي يحمل بصمة مغربية أصيلة.
الضيعة التي أسسها الفاعل الفلاحي يوسف إيشو، لم تعد مجرد مساحة زراعية تقليدية، بل أضحت فضاء حيويا لإنتاج الأعشاب البيولوجية وتثمين الموروث الطبيعي للمنطقة، في تجربة تجمع بين الحكمة التقليدية وتقنيات الفلاحة الحديثة.
صيدلية طبيعية في قلب الجنوب الشرقي
وسط مشاتل النعناع الفلفلي والليموني، والزعتر، واللافندر، والمورينجا، والستيفيا، والسالمية، وأنواع متعددة من الأعشاب الطبية، يتحرك يوسف إيشو بعشق واضح للأرض وللكنوز الطبيعية التي تزخر بها المنطقة.
وأكد إيشو، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن المشروع يقوم على فلسفة الإنتاج البيولوجي الكامل، بعيدا عن الأسمدة والمواد الكيميائية، موضحا أن الضيعة تمتد على مساحة تناهز 52 هكتارا، جرى استغلال أكثر من ثلثيها في زراعة ما يقارب 36 نوعا من الأعشاب العطرية والطبية.
وقال المتحدث ذاته إن المشروع انطلق قبل أربع سنوات، واستطاع اليوم أن يفرض حضوره في الأسواق الوطنية والدولية، من خلال بيع المنتوجات بالجملة لشركات متخصصة في التصدير نحو الخارج، خاصة إلى عدد من الدول الأوروبية والآسيوية.
وأضاف أن اختيار اسم “إيزا أروم” جاء تخليدا لاسم والدته الراحلة، في ارتباط رمزي بالنكهات والأعشاب وروح الأرض، مشيرا إلى أن الضيعة تشغل عددا من نساء ورجال المنطقة، ما يمنحها بعدا اجتماعيا وتنمويا يتجاوز الجانب الفلاحي.
أعشاب تقاوم الجفاف وتحترم البيئة
وأوضح يوسف إيشو أن الأعشاب الطبية والعطرية تعتبر من الزراعات الملائمة للمجالات الجافة وشبه الجافة، بحكم قدرتها على تحمل ندرة المياه، مضيفا أن بعض الأنواع مثل الزعتر لا تحتاج إلى كميات كبيرة من السقي، عكس أنواع أخرى كالنعناع.
وأشار إلى أن الضيعة تعتمد حلولا طبيعية في معالجة النباتات، من قبيل الصابون البلدي، وبيكاربونات الصوديوم، والنقائع الطبيعية، إلى جانب مواد مرخصة في الفلاحة البيولوجية كالنحاس والكبريت، مؤكدا أن هذه المقاربة تحترم التوازن البيئي وتنسجم مع التحديات المناخية الراهنة.
وشدد المتحدث ذاته على أن الفلاحة البيولوجية تساهم بشكل مباشر في الحد من آثار التغيرات المناخية، باعتبارها تستغني عن الأسمدة الكيميائية المسببة لانبعاثات الغازات الدفيئة، موضحا أن المشروع يعتمد كذلك على التنوع البيولوجي عبر غرس الزيتون واللوز إلى جانب الأعشاب الطبية، بما يخلق توازنا بيئيا وحماية طبيعية للنباتات.
تثمين المنتوج المحلي بأدوات العصر
ولا يقتصر مشروع “إيزا أروم” على الإنتاج فقط، بل يعتمد أيضا على تقنيات حديثة في السقي والتجفيف والتقطير، بما يحافظ على جودة الزيوت الأساسية والمكونات العلاجية للنباتات.
هذا التثمين العصري للأعشاب الطبية والعطرية جعل الضيعة تفتح لنفسها آفاقا جديدة في مجال التصدير، حاملة معها صورة الجنوب الشرقي المغربي كخزان طبيعي غني بالنباتات ذات القيمة الصحية والاقتصادية العالية.
وفي السياق ذاته، عبرت خديجة الحجاجي، القادمة من الدار البيضاء، عن إعجابها الكبير بالضيعة، معتبرة أن المكان يشكل نموذجا ناجحا للتوفيق بين الاستثمار الفلاحي والحفاظ على البيئة، مشيدة بطريقة تدبير المشروع والعناية التي يوليها صاحبه لهذا “الكنز الطبيعي النادر”.
رسالة تنموية من عمق الواحات
وراء كل نبتة في “إيزا أروم” حكاية إصرار على تحويل المجال القروي إلى فضاء منتج للحياة والأمل. فالضيعة استطاعت أن توفر فرص شغل لعدد من أبناء وبنات المنطقة، وأن تقدم نموذجا لفلاحة مستدامة قادرة على خلق الثروة دون الإضرار بالبيئة.
وختم يوسف إيشو تصريحه بالتأكيد على أهمية إعادة الاعتبار للأعشاب الطبية في الثقافة المغربية، داعيا إلى تعزيز استهلاك المنتجات الطبيعية المحلية، بدل الاعتماد المفرط على المواد المصنعة، مشيرا إلى أن الأعشاب الطبية “لا تعوض الدواء، لكنها تشكل دعما حقيقيا للصحة”.
ومع غروب الشمس خلف تلال أيت زينب، تظل “إيزا أروم” شاهدة على تجربة مختلفة في قلب الجنوب الشرقي، حيث يتحول “الذهب الأخضر” إلى لغة للتنمية، ورسالة وفاء للأرض والإنسان والطبيعة.
المصدر:
العمق