هبة بريس – عبد اللطيف بركة
في زمن تتكاثر فيه الحكايات العابرة، ولدت قصة تشبه الاسطورة، قصة كتبت بدم حي وبنبض شجاعة لا يتكرر. اليوم الاحد 17 ماي الجاري، فقدت تافراوت، ومعها كل المغاربة، واحدا من اولئك الذين لا يمرون مرور الكرام في سجل الحياة، شابا اختار، في لحظة فاصلة، ان ينقذ الاخرين ولو كان الثمن عمره.
علاء، ذلك الشاب التفراوتي الذي لم يكن يوما باحثا عن بطولة، وجد نفسه في مواجهة قدر جامح داخل حافلة تسير نحو المجهول، بعدما باغتت ازمة قلبية سائقها ففقد السيطرة، لتتحول الرحلة الى سباق مع الموت، والحافلة تتجه بسرعة نحو منحدر خطير يناهز خمسة عشر مترا. في تلك اللحظة، حيث يتجمد الزمن وتتلاشى الخيارات، نهض علاء من مقعده كمن يستجيب لنداء خفي، فقفز نحو المقود، وواجه المصير بيدين ثابتتين وقلب لا يعرف التراجع.
لم يكن امامه وقت للتردد، امسك بعجلة القيادة، واعاد توجيه الحافلة، وابعدها عن السقوط المحقق. وحين اقترب الخطر اكثر، اتخذ القرار الاصعب، فغير مسارها نحو الجبل، مضحيا بسلامته ليحمي ارواحا تجاوزت الاربعين. في لحظة واحدة، كتب نجاة جماعية، لكنه وقع ايضا على بداية معاناته.
خرج الركاب سالمين، يحملون حياة جديدة منحها لهم شاب لم يفكر الا في انقاذهم. اما هو، فكان الجسد الذي تلقى الصدمة كاملة، اذ اصيب اصابة خطيرة في العمود الفقري حولت حياته الى صراع مرير انتهى بشلل رباعي، قبل ان يسلم الروح اليوم الاحد داخل احد مستشفيات اكادير، متاثرا بجراحه.
لم يكن علاء مجرد اسم في خبر عابر، بل كان انسانا بسيطا يشهد له الجميع بحسن الخلق ونقاء القلب. شابا بدا لتوه فصلا جديدا من حياته، بعد ان رزق بمولودة صغيرة، لم يمهله القدر طويلا ليحكي لها كيف ان اباها كان بطلا حقيقيا، لا في القصص، بل في الواقع.
برحيله، لا تفقد تافراوت ابنا فقط، بل تفقد رمزا نادرا لمعنى التضحية، ويفقد المغرب قصة شجاعة ستبقى شاهدة على ان البطولة ليست لقبا يمنح، بل موقفا يصنع في لحظة صدق مع النفس.
علاء لم يمت… بل اختار ان يعيش في ذاكرة كل من نجا، وفي دعاء كل من سمع حكايته، وفي قلب وطن انحنى اليوم احتراما لروحه.
المصدر:
هبة بريس