كشفت العمليات الاستباقية التي نفذتها الأجهزة الأمنية المغربية خلال الأسبوع الجاري في كل من الداخلة وميدلت واليوسفية عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات الإرهابية التي تواجه المملكة، والمتمثلة في صعود ما يعرف بـ”الجهاد الفردي” أو “ظاهرة الذئاب المنفردة”. فقد أثبتت التوقيفات الأخيرة لعناصر متطرفة في هذه المدن أن التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها “داعش”، لم تعد تعتمد على خلايا منسقة بقدر ما تعول على أفراد معزولين، نفسيا ورقميا، يتلقون التحريض عبر الفضاءات الافتراضية، وينفذون عمليات منخفضة التكلفة، يصعب توقعها بأساليب الرصد التقليدية.
ويؤكد مهتمون أنه مع دخول التهديدات الإرهابية مرحلة أكثر تعقيدا، يبرز النموذج المغربي كحالة استثنائية في المنطقة، حيث نجحت الرباط، عبر مقاربة متعددة الطبقات، في تفكيك مخططات هذه “الذئاب المنفردة” قبل أن تتحول إلى أفعال دامية، مؤسسة بذلك لمدرسة أمنية خاصة جعلت المغرب شريكا استراتيجيا وفاعلا إقليميا ودوليا في تصدير الأمن ومواجهة التهديدات غير المتكافئة التي باتت تؤرق أعتى المنظومات الأمنية والاستخباراتية في العالم.
يرى هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، أن “العمليات الأمنية الأخيرة في الداخلة وميدلت واليوسفية تكشف أن التهديد الإرهابي في المغرب دخل مرحلة أكثر تعقيدا من الناحية العملياتية، وهي مرحلة التهديدات المجهرية أو ما يعرف بالذئاب المنفردة منخفضة البصمة الأمنية. فمن منظور الهندسة الأمنية، فإن اختيار هذه المدن لا يبدو اعتباطيا بالكامل، بل يعكس تحولا في التفكير العملياتي لدى الأفراد المتطرفين، الذين باتوا يفضلون فضاءات أقل كثافة أمنية وإعلامية مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى”.
وأضاف معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “التنظيمات المتطرفة، وخصوصا داعش، انتقلت من منطق السيطرة الميدانية إلى منطق تشتيت الخطر، عبر تحفيز أفراد معزولين نفسيا ورقميا على تنفيذ عمليات غير مكلفة، يصعب توقعها، لكنها ذات أثر نفسي وإعلامي مرتفع. والهدف هنا ليس فقط إيقاع خسائر بشرية، بل خلق انطباع بوجود اختراق أمني متعدد الجغرافيا يضرب الشعور بالاستقرار. ولهذا، فإن توزيع الخلايا أو العناصر المنفردة على مدن مختلفة يندرج ضمن ما يسمى في الدراسات الأمنية هندسة التهديد الموزع، الذي يربك الحسابات التقليدية للأجهزة الأمنية”.
وأبرز الباحث ذاته أن التحدي الأكبر مع “الذئاب المنفردة” يكمن في غياب الهيكل التنظيمي الصلب؛ إذ “لا توجد اتصالات مباشرة واضحة، أو تمويلات كلاسيكية، أو أوامر مركزية يمكن اعتراضها بسهولة. غير أن ما يميز المقاربة المغربية هو انتقالها من منطق رد الفعل الأمني إلى منطق الاستباق الخوارزمي”، شارحا أن “الأجهزة المغربية، خصوصا عبر التكامل بين الاستخبارات البشرية والرقمية، طورت قدرة على تحليل الأنماط السلوكية، والرصد المبكر لمسارات التطرف داخل الفضاء الرقمي، بما في ذلك المؤشرات الدقيقة مثل المبايعات الرقمية، والانتقال المفاجئ نحو المحتوى المتطرف، وتغيرات السلوك المرتبطة بما يسمى إشارات التطرف الدقيقة”.
وشدد معتضد على أن “النجاح المغربي هنا لا يقوم فقط على المراقبة التقنية، بل على هندسة أمنية متعددة الطبقات تجمع بين المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، والاختراق الاستباقي للفضاءات الرقمية المغلقة، والعمل القضائي السريع، والتنسيق بين الأجهزة الترابية والمركزية. وهذا ما يفسر قدرة المغرب على توقيف عناصر في مرحلة ‘النية العملياتية’ قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، وهي نقطة فارقة في مكافحة الإرهاب الحديث، لأن التهديد لم يعد يبدأ من المعسكرات أو الحدود، بل من الهاتف الذكي وغرف الدردشة المشفرة”.
وخلص إلى أن “كل عملية إحباط ناجحة لتهديدات من هذا النوع تعزز صورة المغرب ليس فقط كدولة مستقرة، بل كمنصة أمنية متقدمة داخل شمال إفريقيا والساحل، وتحول المملكة من دولة مستهدفة بالإرهاب إلى دولة تصدر الأمن والمعرفة الاستخباراتية. وهذا يمنح الرباط رأسمالا استراتيجيا متزايدا في علاقاتها الدولية، لأن الأمن اليوم أصبح عملة جيو-سياسية حقيقية. وكلما أثبت المغرب قدرة أعلى على إدارة التهديدات غير التقليدية، تعزز موقعه كشريك لا غنى عنه في المعادلة الدولية لمكافحة الإرهاب”.
قال البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، إن “قراءة الجغرافيا الأمنية للمدن المستهدفة تستوجب تفكيكا دقيقا لأبعادها الجيو-سياسية؛ فالأمر يتجاوز فكرة الملاذات الجغرافية الهادئة ليرتبط مباشرة بمحاولات استراتيجية خبيثة تتوخى ضرب المكتسبات السيادية للمملكة. ويظهر ذلك جليا في اختيار مدينة الداخلة باعتبارها مركزا حيويا للمشاريع الاستثمارية الضخمة والبوابة الرئيسية نحو العمق الإفريقي عبر المبادرة الأطلسية التي تجسد الرؤية الملكية المتبصرة للعمل الأمني والتنموي”.
وتابع البراق بأن “اللجوء إلى حواضر ومناطق مثل ميدلت واليوسفية يمثل رهانا من طرف الفواعل المتطرفة على العزلة الديموغرافية والهدوء النسبي الذي يميز هذه المناطق، بعيدا عن الرصد المكثف للمراكز الحضرية الكبرى؛ إذ يسعى الفكر المتطرف إلى استغلال الهوامش الاجتماعية لتأسيس خلايا نائمة وتطوير لوجستيك العمليات ببطء. وتؤكد هذه التوليفة الجغرافية أن التنظيمات الإرهابية تدمج في مخططاتها بين الرغبة في إحداث صدى إعلامي وسياسي ذي أثر دولي، وبين البحث عن ثغرات ميدانية تعتقد واهمة أنها بعيدة عن أعين الرقابة الأمنية”.
وأكد المصرح لهسبريس أن “النجاح الاستخباراتي المغربي في فك العزلة الرقمية لـ’الذئاب المنفردة’ يعزى بالأساس إلى المقاربة المغربية الشاملة في مكافحة الإرهاب وتطوير منظومة استباقية متكاملة تتجاوز المقاربات الكلاسيكية وتعتمد على الرصد السيبراني المتقدم والتحليل الدقيق للبصمات الرقمية؛ إذ تعمل الأجهزة الأمنية، بتنسيق وثيق مع المكتب المركزي للأبحاث القضائية، على تتبع السلوكيات والأنشطة المشبوهة داخل الفضاءات الافتراضية المغلقة والمنصات المشفرة التي تستغلها التنظيمات لنشر بروباغندا التطرف وصناعة الولاءات”.
وزاد شارحا: “كما يتم الدمج بين هذا التفوق التكنولوجي القائم على رصد الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة، وبين الحضور القوي للاستخبارات البشرية الميدانية التي تظل الركيزة الأساسية في تتبع التحولات السلوكية للأفراد داخل بيئاتهم الاجتماعية الواقعية. ويسهم هذا التكامل البنيوي في رصد المؤشرات الأولى للانحراف العقدي والجهوزية العملياتية، مما يمكن الأجهزة من التدخل الحاسم لإجهاض المخططات في مراحلها الجنينية، وقبل الانتقال الفعلي إلى مرحلة التنفيذ المادي، وهو ما يفرغ مفهوم ‘الذئاب المنفردة’ من قدرته على المباغتة والمناورة الأحادية”.
وسجل أن “هذا التميز العملياتي في إحباط هذه التهديدات ينعكس بشكل مباشر على تعزيز المكانة الجيو-سياسية للمملكة كشريك استراتيجي دولي لا غنى عنه في صياغة هندسة الأمن العالمي ومكافحة الإرهاب العابر للحدود. فالكفاءة العالية في ضبط الأمن الداخلي، وتقديم معلومات استخباراتية دقيقة واستباقية لشركاء المغرب في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، جنبا عواصم عالمية عديدة مخاطر ضربات إرهابية وشيكة، ورسخا مصداقية النموذج الأمني المغربي القائم على التعاون الندي وتبادل الخبرات. وتحول المغرب، بفضل هذا الدور المحوري، إلى صمام أمان رئيسي في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وجسر استقرار يربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل والصحراء التي تشهد تناميا للمخاطر الهجينة وللجماعات الانفصالية والمسلحة”.
المصدر:
هسبريس