أكد حسن طارق أن الإدارة المغربية ما تزال تعاني من وجود “جيوب” تنتمي إلى المفهوم القديم للسلطة، تقوم على ثقافة الكتمان والصمت الإداري والانغلاق، معتبرا أن هذه الممارسات تعكس ضعفا واضحا في المجال التواصلي، رغم المرجعيات الدستورية والإصلاحات التي تبنت مفهوم الإدارة المواطنة المنفتحة والشفافة، مشيرا إلى أن المرفق العام يعيش انتقالا وصفه بـ”المتردد”، لم يقطع بشكل نهائي مع إرث السرية وسوء الفهم، في وقت أصبحت فيه العلاقة اليومية بين المواطن والإدارة اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية ولمستوى الثقة في المؤسسات.
وشدد حسن طارق، على أن التواصل يشكل أحد معايير الحكامة، معتبرا أن العلاقة اليومية بين المواطن والإدارة أصبحت اليوم اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية ولمستوى الثقة في المؤسسات، وأن رضا المرتفق لا يرتبط فقط بالنتيجة أو بالأثر، بل كذلك بطريقة التواصل والاستقبال والإنصات ودرجة الاحترام.
واعتبر وسيط المملكة، في محاضرة ألقاها برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال تحت عنوان مؤسسة الوسيط والتواصل بين الإدارة والمواطنين: رهانات الحكامة، أن هذه التفاصيل تصنع اللقاء اليومي بين المواطن والإدارة، وهو لقاء ليس عابرا بل يمثل الاختبار الحقيقي لكل السياسات العمومية ولكل الفعل العمومي.
وأضاف أن هذا اللقاء مسؤول عن الصورة الذهنية للدولة في مخيال المواطن، لأن الإدارة ليست مجرد جهاز قانوني بل فضاء للتواصل والتفاعل الرمزي اليومي بين المواطن والادراة وبين المجتمع والدولة. مشيرا أن التواصل يشكل امتحانا يوميا للإدارة في مجالات الثقة والشرعية.
الإحالة على الخطاب الملكي
استحضر حسن طارق الخطاب الملكي لافتتاح السنة البرلمانية لسنة 2014، الذي تحدث عن الإدارة و طموحات المغاربة من أجل إدارة مواطنة وقوية، كما عاد إلى خطاب افتتاح الدورة التشريعية الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية الحادية عشر في أكتوبر الماضي، حيث دعا الملك إلى إعطاء دينامية وعناية خاصة والتعريف المبادرات التي تتخذها السلطات العمومية بمختلف القوانين والقرارات. لاسيما المتعلقة بحقوق المواطنين وحرياتهم.
ورأى المحاضر أن الجمع بين النصوص الملكية والسياقات التي وردت فيها يكشف بوضوح وجود إقرار بحالة من العجز التواصلي للإدارة العمومية، رغم مختلف الجهود المبذولة التي تستند من الناحية المرجعية، إلى استبطان وتوطين فكرة المفهوم الجديد للسلطة، باعتبارها رؤية تقوم على إدارة مواطنة، منفتحة، شفافة ومتواصلة.
وأكد أن التواصل يعد مدخلا أساسيا لتعزيز ثقة المواطن في الإدارة، لأن هذه الثقة تمر عبر سهولة الولوج إلى المعلومات واحترام حق المرتفق في الفهم، موضحا أن التواصل يشكل وسيلة لتجويد الخدمات الإدارية من خلال التعرف على المشاكل الحقيقية التي يواجهها المرتفقون.
الشفافية كإطار عام للتواصل
في اطار حديثه عن المبادئ الأساسية التي تستند اليها المرافق العمومية مثل الجودة والمحاسبة والمسؤولية، وضح المتحدث أن الشفافية تعد معيارا أساسيا ، معتبرا أن الحديث عن الشفافية هو حديث عن الإطار العام الذي يسمح بالتواصل. كما أفاد أن أعوان المرافق العمومية ملزمون أثناء ممارسة مهامهم باحترام مبدأ الحياد والنزاهة والمصلحة العامة والشفافية، موضحا أن الدستور المغربي جعل من الشفافية جزءا من البناء المعياري للمرفق العمومي ومبدأ من مبادئ الممارسة الوظيفية لأعوان المرافق.
وفي السياق ذاته، أبرز المتحدث أن الامتداد الدستوري لـمؤسسة الوسيط يرتبط بشكل مباشر بإشاعة قيم التخليق والشفافية في تدبير العلاقة بين الإدارة والمواطنين، باعتبار أن مؤسسة الوسيط هي هيئة وطنية مستقلة متخصصة في الدفاع عن حقوق المرتفقين. مفسرا أن الشفافية في تدبير العلاقة بين المرافق والمرتفقين تعد من المهام المركزية والتأسيسية لمؤسسة الوسيط.
وأشار إلى أن دستور 2011 أحال، في الفصل 157، على إصدار ميثاق للمرافق العمومية، وهو ما تحقق من خلال القانون رقم 54.19 المتعلق بميثاق المرافق العمومية، الذي حدد المبادئ الأساسية التي تجعل المرفق العمومي من الناحية المعيارية مرفقا يخضع للحكامة. وأن مبدأ الشفافية يعني تمكين العموم من الولوج إلى المعلومات المرتبطة بتنظيم المرافق العمومية والخدمات التي يقدمها، إلى جانب مبدأ الانفتاح القائم على التواصل مع المرتفقين وتلقي ملاحظاتهم وتظلماتهم واقتراحاتهم بشأن تطوير الأداء المرفقي.
كما أشار إلى أن الميثاق خصص بابا بعنوان التواصل بين الإدارة وبين المرتفقين، تحدث فيه على ضرورة قيام المرفق العام بتعريف منظم لمهامه وبرامجه وخدماته عبر مختلف وسائل التواصل المتاحة، مع إلزام المرفق اتخاذ جميع الإجراءات ألازمة والضرورية لتحسين ظروف استقبال المرتفقين وتجويد فضاءات الاستقبال والخدمات المقدمة لهم.
وفي حديثه عن مهام مؤسسة الوسيط، أوضح حسن طارق أن المؤسسة تضطلع بالنظر في تصرفات الإدارة المخالفة للقانون أو المخالفة لمبادئ العدل والإنصاف، وتدرس التظلمات والشكايات الواردة عليه ومخرجاتها، والبحث عن حلول للوساطة بين الإدارة والمرتفق، إضافة إلى مهمة أساسية تتمثل في تنمية التواصل الفعال بين الطرفين. كما يلزم النظام الداخلي للمؤسسة بالسعي إلى ضمان حوار مستمر بين الإدارة والمواطن، وتشجيع الإدارات على تنظيم برامج تواصلية وأبواب مفتوحة ولقاءات محلية وجهوية. إلى جانب إنجاز استطلاعات للرأي لقياس رضا المرتفقين عن الأداء الإداري والتواصلي للمرافق العمومية.
الرقمنة وتحدياتها في مسار العلاقة بين الإدارة والمواطن
أكد المتحدث أن المرفق العام يتجه نحو انتقال وصفه بالانتقال المتردد، انتقال تتخلله مقاومة ثقافية حاضرة بقوة داخل البنى التقليدية. مشيرا إلى أنه ما زالت داخل الإدارة جيوبا تنتمي إلى المفهوم القديم للسلطة، وتستمر معها تقاليد الصمت الإداري وثقافة الكتمان، وهو ما يعكس ضعفا كبيرا في المجال التواصلي. مبينا أن أفق هذا الانتقال واضحة ومرجعياته متوفرة، غير أنه ما يزال يترنح ولم يقطع بشكل نهائي مع إرث الانغلاق والكتمان والسريّة وسوء الفهم.
أوضح المتحدث أن العلاقة بين المواطن والإدارة في كانت السابق محصورة في مطالب نمطية مثل الولوج إلى المعلومة، والحصول على الخدمة، وتبسيط المساطر، إضافة إلى التظلمات والوساطة وتدبير توترات العلاقة المرفقية. غير أن هذه البنية التقليدية عرفت تحولا عميقا بفعل تغير مفهوم المواطنة، وتطور الطلب الاجتماعي، وتحول طبيعة السياسات العمومية.وأضاف المتحدث أن هذا التحول أدى إلى ارتفاع سقف الانتظارات لدى المواطن، حيث لم يعد ينظر إلى الإدارة كمجرد جهاز يقدم خدمات يومية عادية، بل كامتداد للدولة في بعدها المؤسساتي، وكفاعل مسؤول عن إنتاج السياسات العمومية.
وأكد أنه انتقال التقييم من لحضة الرضا أو عدم الرضا على جودة الخدمات فقط، إلى تقييم أوسع يتعلق بجودة البرامج والسياسات العمومية، وهو ما جعل العلاقة أكثر توترا نتيجة ارتفاع الانتظارات بشكل أسرع من قدرة الاستجابة.وأشار المتحدث إلى أن التواصل في هذا السياق لم يعد مجرد وظيفة تقنية، بل أصبح مهمة ذات بعد سياسي عميق، لأن العلاقة بين المواطن والإدارة أصبحت في صلب رهانات السياسات العمومية.
وفي معرض حديثه عن التحولات التي تعرفها الإدارة المغربية، أكد المتحدث أن الرقمنة لا تمثل أي حتمية تواصلية موضحا أن المزيد من الرقمنة لايعني المزيد من التواصل، فهي تشكل فرصة لكنها تحميل غي طياتها العديد من التحديات، وأضاف أن المغرب ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بالفجوة الرقمية والاختلالات المجالية، كاشفا بأن مؤسسة الوسيط تدافع على البعد الإنساني داخل الإدارة، بما يتضمنه من ذكاء عاطفي وأخلاقي وإنساني.
كلفة اللاتواصل
وأشار المتحدث، إلى أن جزءا من الديناميات الاجتماعية التي يعرفها المغرب بات يرتبط بشكل مباشر بتوترات المرفق العام، موضحا أن العديد من الظواهر الاجتماعية تبدأ من اختلالات أو أزمات مرفقية كان بالإمكان تدبيرها مبكرا عبر اعتماد مقاربة استباقية وتواصل فعال. واستحضر في هذا السياق ملف طلبة الطب والصيدلة، معتبرا أن الأزمة تحولت من توتر مرفقي عادي إلى إشكال مجتمعي مرهق امتد طوال سنة كاملة وأثر على عدد كبير من الأسر.
وأكد أن سهولة الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تنامي تقاليد الاحتجاج بالمغرب، ساهمت في تسريع انتقال القضايا من نطاقها الإداري الضيق إلى فضاء النقاش العمومي الواسع، حيث يصبح أي توتر داخل مرفق عمومي قابلا للتحول إلى أزمة اجتماعية. واعتبر أن كلفة غياب التواصل أصبحت مرتفعة، لأنها لم تعد مرتبطة فقط بجودة الخدمات العمومية، بل باتت تمس السياسات العمومية نفسها وعلاقة المواطن بالطلب الاجتماعي وبالأجوبة المنتظرة من المؤسسات.
المصدر:
العمق