آخر الأخبار

أزمة ثقة لا أزمة مسطرة.. القصة الكاملة لإجهاض تخصص الإعلام في جامعة ابن طفيل

شارك

هبة بريس – محمد زريوح

في الأنظمة الأكاديمية السليمة، يمثل مصادقة مجلس الجامعة على إحداث تخصص جديد حجر زاوية في رسم السياسة البيداغوجية الرسمية للمؤسسة. غير أن ما شهدته جامعة ابن طفيل بالقنيطرة يجسد مفارقة إدارية غريبة؛ فبتاريخ 23 يناير 2025، صادق مجلس الجامعة رسميًا، في دورته الرابعة من الولاية الثامنة، على المقرر عدد 59/25 القاضي بإحداث شعبة “علوم الإعلام والاتصال” بكلية اللغات والآداب والفنون، بعد مسار بيداغوجي متكامل استوفى المداولات القانونية.

لكن المفاجأة الصادمة تجلت في صدور المذكرة الوزارية رقم 25/158 الخاصة بالخريطة الجامعية للموسم 2025-2026، والتي أسقطت الشعبة تماماً من الوجود، لينطلق فصول صراع صامت بين الحضور المؤسساتي والغياب المركزي.

وتتجاوز خطورة هذا الملف مجرد تجميد تخصص أكاديمي، لتطال جوهر التدبير الإداري وعلاقة الوزارة الوصية بالجامعة؛ إذ لم يكن المشروع التفافاً على المساطر، بل سلك أصحابه القنوات الرسمية بتقديم تصور بيداغوجي وعرضه على اللجان المختصة قبل نيل مصادقة مجلس الجامعة.

وبدل أن تدخل الوزارة في تفاعل مؤسساتي واضح عبر قنوات الحوار أو طلب استكمال الإجراءات، اختارت نهج “الصمت البارد” وحذف الشعبة من الخريطة السنوية دون توضيح، مما يضع استقلالية مجالس الجامعات وقيمة قراراتها على المحك، ويطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى التدبير التشاركي إذا كانت القرارات تُجهض بجرة قلم صامتة.

هذا الغموض الإداري لم يدم طويلاً خلف الأسوار، إذ سرعان ما وصل صداه إلى قبة البرلمان بعد دخول النائبين مصطفى إبراهيمي وإبراهيم أعبا على الخط عبر أسئلة كتابية محرجة وُجهت لوزير التعليم العالي.

وأمام هذا الضغط الرقابي، اضطرت الوزارة إلى كسر صمتها مبررة الاختفاء الفجائي للشعبة بأعطاب تقنية ومسطرية تتعلق بعدم استيفاء إجراءات الاعتماد عبر المنصة الإلكترونية للوكالة الوطنية. بيد أن هذا التبرير فتح الباب أمام ارتباك واضح في الرواية الرسمية؛ فإذا كانت هناك نواقص فعلية، لِمَ لمْ يتم إشعار الجامعة بها قبل إصدار مقررها النهائي؟ وهل تحولت وثائق مجالس الجامعات إلى مجرد حبر على ورق أمام مركزية القرار؟

وكالعادة في مثل هذه الصراعات التدبيرية، لم تدفع المؤسسات ثمن هذا الارتباك، بل كان الطلبة هم الضحية المباشرة لهذه الفوضى الإدارية. فالعديد من الخريجين والراغبين في ولوج تخصص الإعلام وجدوا أنفسهم أمام واقع مشوه ومستقبل معلق بين وعود الجامعة وضبابية الوزارة، مما دفع بعضهم لتغيير مساره الأكاديمي قسراً، وتسبب لآخرين في ضياع سنة كاملة من مسارهم المعرفي.

هذا الوضع يحول القضية من مجرد نزاع مسطري جاف إلى مأزق أخلاقي حقيقي يمس بمصداقية الدولة في توجيه شبابها، ويحول طموحات الطلبة ومخططاتهم المستقبلية إلى رهينة لعدم الانسجام بين المركزي والمحلي.

إن ما كشفه ملف شعبة “علوم الإعلام والاتصال” بجامعة ابن طفيل يتجاوز بكثير حدود تخصص أكاديمي؛ إنه يعري أزمة ثقة عميقة داخل منظومة التعليم العالي بالمغرب، ويهدد بإحباط أي اجتهاد علمي مستقبلي.

اليوم، بعد أن تحولت القضية إلى نقاش عمومي داخل قبة البرلمان، باتت اللعبة مكشوفة بالكامل ولم يعد الصمت خياراً ممكناً؛ فالجامعة مطالبة بتوضيح خلفيات مصادقتها على مشروع غير مكتمل، والوزارة مطالبة بتفسير تغييبها للتواصل المؤسساتي. فالأمر لم يعد يتعلق بسؤال وجود الشعبة من عدمه، بل بالسؤال الجوهري: من يملك سلطة القرار فعلياً داخل الجامعة المغربية، ومن يتحمل كلفة هذا العبث؟

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا