آخر الأخبار

وزير الأوقاف: النبي بعث هاديا لا غازيا.. ومحبة المغاربة له بدأت بوفد “ركراكة” الأمازيغي

شارك

أكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أن السيرة النبوية ينبغي أن تُقدّم باعتبارها مشروعا حضاريا وأخلاقيا متكاملا يهدف إلى بناء الإنسان وترسيخ قيم الرحمة والعدل والسلام، وليس مجرد سرد تاريخي للغزوات والأحداث العسكرية، داعيا في المقابل إلى تجديد طرق تقديمها للشباب بلغة العصر ومفاهيمه.

وجاء ذلك خلال الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية التي نظمها اليوم الأربعاء المجلس العلمي الأعلى تحت عنوان: “السيرة النبوية مصدرا للعلم والعمل، ومرجعا في القيم والأخلاق”، بحضور الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى ورؤساء المجالس العلمية الجهوية والمحلية وعلماء وعالمات وباحثين.

واستهل التوفيق كلمته بالتأكيد على أن مداخلته تأتي في إطار إبراز علاقة السيرة النبوية بالتاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا، مستحضرا كلمة سبق أن وجهها إلى منظمة الإيسيسكو بمناسبة معرض السيرة النبوية المقام بمقرها في الرباط، والتي تحدث فيها عن عمق تعلق المغاربة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

“ملحمة كبرى”

وقال الوزير إن المغاربة نسجوا عبر التاريخ “ملحمة كبرى” في محبة النبي الكريم، وهي ملحمة امتدت في الزمان وتجلت في البعدين الوجداني والسلوكي، مشيرا إلى خمس محطات كبرى تعكس هذا الارتباط التاريخي.

وأوضح أن أولى هذه المحطات ترتبط برواية متداولة إلى حدود القرن السابع الهجري، تفيد بأن وفدا من قبائل أمازيغية تُعرف بـ”ركراكة” التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم خلال حياته بعد أن بلغتهم أخبار بعثته عن طريق بعض أهل الشام، مضيفا أن الرواية تقول إن الرسول خاطبهم بلغتهم الأمازيغية ومنحهم كتابا احتفظوا به ودفنوه في منطقة سيدي شيكر قرب تانسيفت، حيث استمر تنظيم موسم سنوي بالمكان لقرون طويلة.

وأشار التوفيق إلى أن أهمية هذه الرواية لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، بل في رمزيتها العميقة التي تعكس رسوخ محبة النبي في وجدان المغاربة منذ البدايات الأولى لدخول الإسلام إلى المغرب.

أما المحطة الثانية، فتتعلق بانفصال المغاربة عن الخلافة الأموية سنة 122 للهجرة بسبب ما وصفه بـ”المعاملات الفادحة” لبعض الولاة، وهو ما مهد لاحقا لاستقبال دعوة العلويين المضطهدين، وصولا إلى إدريس بن عبد الله سنة 172 للهجرة وتأسيس الدولة الإدريسية، التي اعتبرها بداية “إمارة آل البيت” بالمغرب القائمة على “محبة التشرع لا محبة التشيع”.

مصدر الصورة

وتناول الوزير المحطة الثالثة، الممتدة لخمسة قرون خلال حكم الدول الأمازيغية الأربع، حيث تعاظم الاهتمام بالسنة النبوية، مستشهدا بفتوى الشيخ أبي بكر الطرطوشي الذي اعتبر أهل المغرب من أكثر الناس تمسكا بالسنة والجماعة، كما توقف عند كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض، وكتاب “الدر المنظم في المولد المعظم” لأبي العباس العزفي، معتبرا أن هذه المؤلفات كرست التعلق الجماهيري بالنبي في مواجهة الضغوط المسيحية القادمة من الشمال الإيبيري.

كما تحدث عن المحطة الرابعة المتمثلة في كتاب “دلائل الخيرات” لأبي عبد الله الجزولي، الذي قال إن المغاربة استمدوا منه روح الجهاد والمقاومة ضد الغزو البرتغالي للسواحل المغربية.

أما المحطة الخامسة، فتمثلت في مبايعة الشرفاء السعديين ثم العلويين لتولي الإمارة بعد انهيار الدولة الوطاسية، معتبرا أن المغاربة اختاروا الشرفاء باعتبارهم قوة توحيدية محايدة بين مختلف العصبيات والمكونات الثقافية بالمغرب.

وفي معرض حديثه عن معارض السيرة النبوية، اعتبر التوفيق أن تقديم السيرة في حوامل بصرية حديثة يمثل “إبداعا فنيا دينيا” يواكب لغة العصر ويساهم في تقريب صورة النبي للأجيال الجديدة، مشيرا إلى تجربته في زيارة متحف “بستان المستظل” قرب مسجد قباء بالمدينة المنورة، والذي يوثق للحظة استقبال الأنصار للنبي وأبي بكر عند الهجرة.

وأضاف أن المغاربة يعبرون عن محبتهم للنبي بآلاف الأشكال والتقاليد والممارسات الروحية والثقافية، مؤكدا أن هذه المحبة شكلت على الدوام منبعا للرحمة والتعلق بقيم الإسلام.

وأشار الوزير إلى أن الذكرى الحالية لمرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم تزامنت مع صدور رسالة ملكية تدعو إلى الإكثار من الصلاة على النبي، ونشر كتب السيرة وتنظيم الندوات العلمية لتعريف الشباب خصوصا بسيرة الرسول وقيمها الإنسانية.

تحديات فكرية

وفي محور موجه إلى الشباب، شدد التوفيق على أن الأجيال الجديدة تواجه تحديات فكرية وثقافية معقدة، ما يفرض تقديم السيرة بلغة حديثة تستوعب مفاهيم الحرية والعدالة والمسؤولية والعيش المشترك.

وأوضح أن الشباب اليوم مطلعون على تيارات فكرية متعددة وعلى منظومات أخلاقية عالمية، وهو ما يقتضي إبراز ما تقترحه السيرة النبوية من قيم إنسانية كبرى مرتبطة بالتوحيد والكرامة والحرية ومحاسبة النفس.

وأكد أن مهمة العلماء لا ينبغي أن تنحصر في نقل النصوص، بل في “تسديد التبليغ” القائم على التزكية وربط القول بالعمل والعلم بالحكمة، مضيفا أن الشرك الذي يجب أن يتحرر منه الإنسان المعاصر هو “الأنانية” التي وصفها القرآن بالنفس الأمارة بالسوء.

وقال إن جوهر الدعوة النبوية يتجلى في نداء الرسول: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، معتبرا أن مفهوم “الفلاح” يختلف جذريا عن مفهوم “النجاح” السائد في المجتمعات المادية الحديثة، لأنه يشمل الدنيا والآخرة معا.

وتوقف الوزير عند ضرورة إبراز القضايا المركزية في السيرة، وعلى رأسها الحرية والمسؤولية والأمن والسلام والعدل والشورى والتعاون والمساواة، مؤكدا أن هذه القيم تشكل أساس العلاقة السوية بين الشباب والدين.

كما أشار إلى أن الفيلسوف الفرنسي أندري كونت سبونفيل تحدث في كتابه “الجامع الصغير في الفضائل الكبرى”» عن عدد من القيم الإنسانية، غير أن القيم التي رسختها السيرة النبوية أوسع وأعمق من ذلك بكثير.

وتحدث أيضا عن إعجاب الأديب الروسي ليو تولستوي بعدد من الأحاديث النبوية ذات الطابع الإنساني، مثل: “الكلمة الطيبة صدقة”، و”الراحمون يرحمهم الرحمن”، و”ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع”، معتبرا أن هذه النصوص قادرة على مخاطبة وجدان الشباب المعاصر.

انحرافات التاريخ الإسلامي

وفي سياق حديثه عن فهم السيرة، شدد التوفيق على ضرورة التمييز بين جوهر الرسالة النبوية وبعض الانحرافات التي عرفها التاريخ الإسلامي لاحقا، معتبرا أن النبي صلى الله عليه وسلم “لم يُبعث جابيا ولا غازيا وإنما هاديا”.

وأضاف أن الإسلام انتشر في معظم بقاع العالم عن طريق الاقتناع والطوع وما حمله من نموذج حضاري وإنساني، بينما ارتبطت بعض الحروب والفتوحات التاريخية لاحقا بأهداف الجباية والتوسع السياسي والإبقاء على الرق، وهي أمور قال إنها تطرح أسئلة محرجة لدى الشباب المعاصر.

ودعا إلى نقد منهجي للكتابات التي تختزل السيرة في الغزوات أو تغرقها في الجزئيات والروايات الثانوية، مؤكدا أن المطلوب هو إبراز قيم الرحمة والهداية والعدل التي قامت عليها الرسالة المحمدية.

كما حذر من القراءات المتطرفة للسيرة، خاصة تلك التي تستند إلى تأويلات ضيقة لبعض الوقائع المتعلقة بالجهاد، موضحا أن جهاد النبي كان دفاعا عن قضية عادلة ورفضا للإكراه في الدين، مستشهدا بقوله تعالى: “لا إكراه في الدين”.

مصدر الصورة

وتناول الوزير التحديات العالمية الراهنة، بما فيها التحولات السياسية والتكنولوجية وصعود الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن الإنسانية ما تزال في حاجة إلى القيم التي جاءت بها السيرة النبوية، خصوصا ما يتعلق بتهذيب السلوك الإنساني وإعادة بناء معنى الحياة.

وأكد أن المسلمين يشاركون كأفراد في التطورات العلمية الحديثة، لكنهم لا يسهمون فيها كأمة تحمل مشروعا حضاريا متكاملا، داعيا إلى استعادة جوهر السيرة باعتباره مدخلا لإصلاح الإنسان والمجتمع.

وشدد أحمد التوفيق على أن مشروع “تسديد التبليغ” الذي يشرف عليه العلماء بالمغرب يروم إصلاح الحياة الفردية والجماعية على أساس التزكية ومحاسبة النفس، معتبرا أن نجاح هذا المشروع رهين بالقدرة على تقديم البرهان العملي على القيم التي جاءت بها السيرة النبوية، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والسلام والتعايش.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا