آخر الأخبار

شبح “الاستبعاد” يطارد المترشحين قبل الأحكام النهائية.. هل تضحي انتخابات 2026 بقرينة البراءة؟

شارك

اعتبرت دراسة للمركز المغربي للأبحاث وتحليل الدراسات أن التعديلات الجديدة المؤطرة للاستحقاقات المقبلة تعكس توجها متزايدا نحو تشديد المقاربة الزجرية داخل القوانين الانتخابية، من خلال توسيع موانع الترشح ورفع العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية، بما في ذلك الأفعال المرتكبة عبر الوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.

الدراسة التي تناولت “الإطار التشريعي لانتخابات 2026: مستجدات وملاحظات”، وأنجزها محمد منار باسك، سجلت أن القانون التنظيمي الجديد المتعلق بمجلس النواب حمل تعديلات اعتبر بعضها في اتجاه تجويد المنظومة القانونية، بينما أثار بعضها الآخر جدلا حقوقيا ودستوريا، خاصة ما تعلق بشروط الأهلية للترشح وحالات التنافي والعقوبات الزجرية المرتبطة بالحملات الانتخابية واستعمال الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ومن أبرز المستجدات التي أثارت النقاش، توسيع موانع الترشح لتشمل الأشخاص الذين تم ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب جنايات أو بعض الجنح المحددة قانونا، إضافة إلى أشخاص صدرت في حقهم أحكام ابتدائية أو استئنافية بالإدانة، حتى وإن لم تصبح نهائية بعد.

الدراسة اعتبرت أن هذا التوجه يمس بشكل واضح بمبدأ قرينة البراءة، الذي يعد من المبادئ ذات القيمة الدستورية، معتبرة أن منع أشخاص من الترشح استنادا إلى أحكام غير نهائية أو إلى مجرد حالة تلبس يطرح إشكالات قانونية وحقوقية عميقة.

تشديد العقوبات على الجرائم الانتخابية

وفي المقابل، حملت التعديلات توجها واضحا نحو تشديد العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية، خاصة تلك المرتكبة عبر الفضاء الرقمي. فقد أصبحت العقوبات تشمل بشكل صريح الأفعال المرتبطة باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوات الذكاء الاصطناعي لنشر الأخبار الزائفة أو المحتويات المضللة أو التشهير بالمترشحين والناخبين.

وشدد المشرع العقوبات الخاصة بعدد من الجرائم الانتخابية، من بينها شراء الأصوات والتأثير على الناخبين والاعتداء على مكاتب التصويت أو المس بسرية الاقتراع، إذ ارتفعت بعض العقوبات من أشهر معدودة حبسا إلى عقوبات سجنية تصل إلى عشر سنوات، مع مضاعفة الغرامات المالية.

كما نصت التعديلات على منع إدخال الهواتف أو وسائل التصوير إلى مكاتب التصويت، وعلى تشديد العقوبات المتعلقة بتسريب أوراق التصويت أو تخريب صناديق الاقتراع أو نشر محتويات رقمية تمس بنزاهة الانتخابات. وأصبحت بعض الجرائم الانتخابية تؤدي تلقائيا إلى الحرمان من التصويت والترشح لفترات طويلة.

وفي جانب آخر، أثارت بعض المقتضيات المتعلقة بسرية الاقتراع نقاشا واسعا، خاصة بعد التنصيص على أن يكون “المعزل” المخصص للتصويت مكشوفا من الجهة المقابلة لأعضاء مكتب التصويت وممثلي المرشحين، وهو ما اعتبرت الدراسة أنه قد يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ سرية التصويت.

كما سجلت الدراسة استمرار العمل بالقاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، وهو النظام الذي أثار جدلا منذ انتخابات 2021، إضافة إلى الإبقاء على حذف العتبة الانتخابية.

وخلصت الدراسة إلى أن الإطار التشريعي الجديد لانتخابات 2026 يعكس تحولات عميقة في تدبير الانتخابات بالمغرب، سواء من خلال توسيع حضور التكنولوجيا والرقمنة أو عبر تشديد المقاربة الزجرية لمواجهة الفساد الانتخابي، غير أنه يفتح في المقابل نقاشا متجددا حول حدود السلطة القانونية في تنظيم التنافس السياسي، وحول مدى قدرة هذه التعديلات على تحقيق التوازن بين نزاهة الانتخابات وضمان الحقوق والحريات السياسية والدستورية.

توسيع جرائم المنع

وشملت الجرائم التي أصبحت تؤدي إلى المنع من الترشح جرائم مثل الرشوة واستغلال النفوذ وخيانة الأمانة وإصدار شيكات بدون رصيد والتزوير والاتجار بالمخدرات وبعض الجرائم المرتبطة بالفساد الانتخابي. كما أصبح المنع من الأهلية يمتد لفترات أطول مقارنة بما كان معمولا به سابقا، إذ لم يعد رفع مانع الأهلية يتم إلا بعد انصرام مدتين انتدابيتين كاملتين في بعض الحالات.

وسجلت الدراسة أيضا أن التعديلات وسعت من دائرة الأشخاص غير المؤهلين للترشح لتشمل جميع الموظفين والعاملين بوزارة الداخلية بمختلف هيئاتهم، بعدما كان المنع مقتصرا في السابق على فئات محددة من رجال السلطة والمسؤولين الترابيين.

واعتبرت الدراسة أن هذا المقتضى يثير بدوره تساؤلات حول مدى معقولية منع مئات الموظفين من ممارسة حقهم السياسي في الترشح فقط بسبب انتمائهم الإداري للوزارة، حتى وإن كانوا لا يمارسون أي دور مباشر في تدبير الانتخابات.

وفي مقابل هذا التوسع في موانع الأهلية، عرفت مقتضيات حالات التنافي تراجعا مقارنة بتعديلات انتخابات 2021، بعدما عاد المشرع إلى السماح بالجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة جماعات ترابية أو مجالس عمالات وأقاليم، باستثناء رئاسة الجهات التي بقيت متنافية مع العضوية البرلمانية. الدراسة تساءلت عن مدى انسجام هذا التراجع مع الخطاب الرسمي الداعي إلى تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الشباب لولوج المؤسسة التشريعية.

رقمنة العملية الانتخابية

كما حملت التعديلات الجديدة مستجدات مرتبطة برقمنة العملية الانتخابية، خصوصا في ما يتعلق بإيداع الترشيحات عبر منصة إلكترونية، واعتماد مساطر رقمية لتصويت المغاربة المقيمين بالخارج بالوكالة، فضلا عن إلزام المرشحين بتقديم معطيات أكثر تفصيلا حول برامجهم الانتخابية ومصادر تمويل حملاتهم.

ومن بين النقاط التي أثارت الانتباه أيضا، اشتراط تضمين البرامج الانتخابية للمترشحين تصورا “جادا وقابلا للتطبيق”، وهو شرط اعتبرت الدراسة أنه يطرح إشكاليات مرتبطة بغياب معايير دقيقة لقياس “الجدية” و”القابلية للتطبيق”، بما قد يفتح الباب أمام تأويلات قد تُستعمل لتقييد حق الترشح.

وفي الجانب الزجري، اتجه المشرع إلى تشديد العقوبات بشكل ملحوظ في عدد كبير من الجرائم الانتخابية، سواء المتعلقة بشراء الأصوات أو التأثير على الناخبين أو المساس بسرية التصويت أو تخريب العمليات الانتخابية. وارتفعت العقوبات في بعض الحالات من مجرد غرامات مالية إلى عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى عشر سنوات سجنا.

كما وسع القانون الجديد نطاق التجريم ليشمل الوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت بعض الأفعال المرتبطة بنشر الأخبار الزائفة أو المحتويات المضللة أو استعمال تركيبات صوتية وصورية مزيفة بهدف التأثير على الناخبين أو التشهير بالمترشحين جرائم انتخابية يعاقب عليها القانون بعقوبات مشددة.

وفي هذا السياق، استحدثت المادة 51 مكررة مقتضيات جديدة تجرم لأول مرة نشر أو بث أخبار زائفة أو محتويات مزيفة أو تركيبات رقمية تستهدف التشهير بالمترشحين أو التأثير على نزاهة الانتخابات، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوات الذكاء الاصطناعي. غير أن الدراسة أشارت إلى أن الصياغة الأولى لهذا المقتضى أثارت جدلا واسعا قبل تعديلها داخل البرلمان، بعدما اعتبرها منتقدون تهديدا لحرية التعبير وإمكانية استعمالها لتجريم التشكيك السياسي أو الإعلامي في الانتخابات.

الدراسة خلصت إلى أن التعديلات الجديدة تعكس توجها واضحا نحو تشديد الرقابة القانونية والزجرية على العملية الانتخابية ومحاولة محاصرة الفساد الانتخابي، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات عميقة حول مدى احترام بعض المقتضيات للحقوق السياسية الأساسية، خاصة ما يتعلق بقرينة البراءة وحرية التعبير وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين، في سياق انتخابي يتجه أكثر فأكثر نحو الرقمنة واستعمال الوسائط التكنولوجية الحديثة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا