يراهن المغرب على التعاون القضائي الدولي كرافعة أساسية لتحديث منظومة العدالة وتعزيز الأمن القانوني، من خلال دينامية واسعة شملت إبرام وتفعيل 54 اتفاقية ثنائية في الميدانين المدني والجنائي، إلى جانب الانخراط في شراكات متعددة الأطراف تروم تطوير آليات العمل القضائي ومواكبة التحولات التي يفرضها توسع القضايا العابرة للحدود، بما يعزز حماية الحقوق ويرفع من نجاعة وفعالية العدالة الوطنية في بعدها الدولي.
وفي هذا الصدد، أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن التعاون القضائي الدولي أصبح يشكل أداة أساسية لمواجهة التحديات التي تفرضها العولمة القانونية، باعتباره يضم مجموعة من الآليات والإجراءات التي تتيح للسلطات القضائية التعامل بفعالية مع القضايا ذات العناصر الأجنبية، بما يضمن حماية حقوق الأطراف في النزاعات العابرة للحدود.
وأوضح وهبي، في جواب كتابي موجه إلى المستشار البرلماني خالد السطي بمجلس المستشارين حول حصيلة برامج التعاون الدولي الخاصة بقطاع العدل، أن الوزارة اضطلعت خلال الولاية الحكومية الحالية بدور محوري في تفعيل التعاون القضائي الدولي، عبر تعزيز علاقات التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، والعمل على الرفع من نجاعة آليات هذا التعاون، إلى جانب دعم انخراط المملكة المغربية في الاتفاقيات الدولية الرامية إلى معالجة الإشكالات العملية المرتبطة بالممارسة القضائية الدولية.
دينامية الاتفاقيات الثنائية وتوسيع شبكة التعاون القضائي
وأوضح وزير العدل أن الوزارة سعت، في إطار تنفيذ برامج العمل الثنائية الرامية إلى تدعيم التعاون القضائي الدولي في الميدان المدني، إلى إعداد وتقديم ودراسة مشاريع اتفاقيات ثنائية للتعاون القضائي في المواد المدنية والتجارية والإدارية، فضلا عن مذكرات تفاهم تروم إرساء إطار قانوني يمكن أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج من الدفاع عن حقوقهم وحمايتها بدول الاستقبال.
وأشار إلى أنه جرى عقد وحضور أشغال مفاوضات مباشرة بين الجانب المغربي وعدد من الدول الأجنبية من أجل استكمال دراسة مشاريع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والتوصل إلى صيغ نهائية جاهزة للتوقيع.
وأضاف وهبي أن الوزارة قامت أيضا بزيارات إلى عدد من الدول الأجنبية بهدف تطوير التعاون القضائي الدولي والاطلاع على التجارب والخبرات المتعلقة بالممارسات الفضلى في مجال آليات التعاون الدولي المرتبطة بالتشريعات الوطنية، مبرزا أن الوزارة عملت، سعيا إلى الرفع من نجاعة التعاون القضائي وإيجاد حلول للإشكالات التي تواجه المواطنين المغاربة ورعايا الدول المتعاقدة، على عقد وحضور اجتماعات اللجان الاستشارية المختلطة.
الانفتاح على المنظومة الدولية ومؤتمر لاهاي
وأكد وزير العدل أن انفتاح الوزارة على المنتظم الدولي تجسد أيضا من خلال مساهمة المغرب، باعتباره عضوا فاعلا في مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص، في أشغال اجتماعات مجلس السياسة العامة للمؤتمر وورشات مجموعات العمل التابعة له، إلى جانب دراسة إمكانية انضمام المملكة إلى اتفاقيات أخرى للمؤتمر، من بينها اتفاقية لاهاي المتعلقة باتفاقات اختيار المحكمة المؤرخة في 30 يونيو 2005، واتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الرشداء المؤرخة في 13 يناير 2000، واتفاقية لاهاي بشأن الاعتراف وتنفيذ الأحكام الأجنبية في المادة المدنية والتجارية المؤرخة في 2 يوليوز 2019.
كما أبرز أن الوزارة عقدت اجتماعات مع الجهات المعنية بالتطبيق العملي لاتفاقية لاهاي الخاصة بإلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية “apostille” المؤرخة في 5 أكتوبر 1961، بهدف تجويد عملية منح شواهد الأبوستيل، فضلا عن تنظيم لقاءات مباشرة وعن بعد لتدارس الإشكالات المرتبطة بكفالة الأطفال بالخارج في ضوء المادة 33 من اتفاقية لاهاي المؤرخة في 19 أكتوبر 1996، أو الاختطاف الدولي للأطفال تطبيقا لاتفاقية لاهاي المؤرخة في 25 أكتوبر 1980.
وكشف وهبي أن مجلس الشؤون العامة لمؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص صادق بتاريخ 6 مارس 2025 على استضافة المملكة المغربية لمكتب إقليمي للمؤتمر، على غرار المكتبين المحدثين لمنطقتي آسيا والمحيط الهادي وأمريكا اللاتينية وجزر الكرايبي، قبل أن يتم افتتاح مقر هذا المكتب بالعاصمة الرباط بتاريخ 9 يوليوز.
التعاون الجنائي وتحديث السياسة القضائية
وفي المجال الجنائي، أوضح وزير العدل أن الوزارة عملت على إبرام جيل جديد من الاتفاقيات الثنائية بهدف ترسيخ الثقة القانونية بين المملكة وشركائها، كما ساهمت، على المستوى الإقليمي والعربي، عبر جامعة الدول العربية، في إعداد وتجويد عدد من القوانين الاسترشادية والاتفاقيات الإقليمية ذات الصلة بالمجال الجنائي وحقوق الإنسان.
وأضاف أن الوزارة وقعت، منذ بداية الولاية الحكومية الحالية إلى غاية نهاية سنة 2025، حوالي 20 اتفاقية قضائية في الميدان الجنائي تهم التعاون في مجال المساعدة القضائية والتسليم ونقل المحكوم عليهم، إلى جانب إعداد 13 مشروع اتفاقية جاهزة للتوقيع مع عدد من الدول الصديقة والشقيقة خلال الاستحقاقات المقبلة، فضلا عن تبادل العشرات من مشاريع الاتفاقيات عبر الطريق الدبلوماسي مع دول أخرى لازالت المشاريع المرتبطة بها قيد الدراسة.
وأكد وهبي أن الوزارة تحرص على الانفتاح على التجارب الدولية وتقاسم الخبرات مع عدد من الدول في مجالات تحديث السياسة الجنائية، من خلال التوقيع على آليات قانونية للتعاون في مجال مكافحة جرائم الاتجار بالبشر وتطبيق العقوبات البديلة، فضلا عن توقيع مذكرات تفاهم مع كل من الفيتنام والعراق في هذا المجال.
التحول الرقمي وتعزيز العدالة الحديثة والأمن السيبراني
وفي ما يتعلق بحصيلة التعاون الدولي في مجال الرقمنة، أوضح وزير العدل أن النتائج المحققة تعكس انتقالا تدريجيا من مرحلة التجريب إلى مرحلة التمكين والتعميم، حيث أصبح التحول الرقمي خيارا استراتيجيا لتعزيز نجاعة العدالة وتحسين جودة الخدمات ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن الشراكات المبرمة في هذا الإطار ساهمت في تسريع وتيرة الإصلاح، مع الحرص على ملاءمة الحلول المعتمدة مع الخصوصيات الوطنية وضمان استدامتها.
وأشار إلى أن الوزارة أبرمت اتفاقية شراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تتعلق ببرنامج الدعم والمواكبة، شكلت آلية مؤسساتية لدعم أوراش التحديث والرقمنة داخل القطاع، حيث مكنت من تعبئة خبرات تقنية دولية ودعم إعداد الدراسات والأطر المرجعية ومواكبة تنزيل مشاريع التحول الرقمي وفق مقاربة قائمة على النتائج، مع تعزيز قدرات الأطر الإدارية والتقنية في مجالات الحكامة الرقمية وتدبير المشاريع، فضلا عن إرساء منهجية عمل تشاركية قائمة على التخطيط الاستراتيجي والتقييم المستمر.
كما عززت الوزارة تعاونها مع اللجنة الأوروبية لنجاعة العدالة، خاصة في ما يتعلق بتتبع مؤشرات أداء المنظومة القضائية وتطوير أدوات القياس والتقييم، حيث تم تعيين ممثل عن الوزارة مختص في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال لتتبع المؤشرات المرتبطة بالتحول الرقمي وضمان ملاءمة المعطيات الوطنية مع المعايير الدولية المعتمدة.
وأضاف أن الوزارة شاركت في مجموعة من الأنشطة والأوراش الدولية لتعزيز مكانة المغرب في مجال تحديث المنظومة القضائية، من بينها المشاركة في القمة العالمية لشراكة الحكومة المنفتحة المنعقدة بإستونيا سنة 2023، والتي شكلت محطة لتعزيز انخراط الوزارة في دينامية الحكامة الرقمية المنفتحة والاطلاع على التجارب الدولية الرائدة في مجالات الشفافية والابتكار وتطوير الخدمات العمومية.
وأوضح الوزير أن أطر وزارة العدل استفادوا من برامج تكوينية دولية لتعزيز قدراتهم في تقييم المخاطر ووضع السياسات الأمنية واعتماد المعايير الدولية، وتنظيم وتطوير آليات للرصد والاستجابة للحوادث المعلوماتية، مؤكدا أن هذا التعاون الدولي ساهم في تحسين نجاعة البرامج المعلوماتية على عدة مستويات.
وأشار إلى أنه على مستوى الإطار المؤسساتي والاتفاقيات، جرى إبرام وتفعيل عدد من اتفاقيات التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف مع دول شريكة ومنظمات دولية متخصصة في تحديث الإدارة والعدالة الرقمية، مع إدراج مكون التحول الرقمي للعدالة ضمن برامج التعاون التقني الممولة من شركاء التنمية، وإحداث آليات للتتبع والتقييم المشترك لضمان تنزيل البرامج وفق آجال مضبوطة ونتائج قابلة للقياس.
تطوير الأنظمة المعلوماتية
أما على مستوى تطوير الأنظمة المعلوماتية، فقد تم تحديث وتوسيع نطاق أنظمة تدبير القضايا بمختلف المحاكم بما يسمح برقمنة مسار الملف القضائي من التسجيل إلى التنفيذ، إلى جانب تطوير خدمات التقاضي الإلكتروني، بما يشمل الإيداع الإلكتروني للمقالات والطعون والتبليغ الإلكتروني وأداء الرسوم القضائية عن بعد في بعض المساطر، فضلا عن تعزيز الربط البيني بين المحاكم والإدارات والمؤسسات المعنية، وإدماج تقنيات الأرشفة الإلكترونية وحفظ الوثائق الرقمية وفق معايير السلامة والجودة المعتمدة دوليا.
وفي ما يخص البنيات التحتية والتجهيزات، أوضح وهبي أنه جرى تحديث مراكز البيانات وتعزيز قدراتها الاستيعابية لضمان استمرارية الخدمات الرقمية، واعتماد حلول النسخ الاحتياطي ومواقع التعافي من الكوارث، فضلا عن تجهيز عدد من المحاكم بقاعات للمحاكمة عن بعد مع احترام الضمانات القانونية.
كما شمل التعاون الدولي، بحسب الوزير، مجال الأمن السيبراني وحماية المعطيات، من خلال الاستفادة من برامج دعم دولية لتعزيز قدرات الوزارة في مجال الأمن المعلوماتي عبر تقييم المخاطر ووضع السياسات الأمنية واعتماد معايير الحماية الدولية، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الأطر التقنية والإدارية في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والتصدي للهجمات السيبرانية، وتطوير آليات للرصد والاستجابة للحوادث المعلوماتية.
وأكد وهبي أن هذه الدينامية ساهمت أيضا في ترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية عبر إرساء آليات رقمية لتتبع الإجراءات والقرارات بما يحد من هامش الخطأ ويعزز المراقبة الداخلية، فضلا عن توفير معطيات إحصائية دقيقة تساعد في التخطيط واتخاذ القرار على أساس مؤشرات موضوعية.
واعتبر وزير العدل أن حصيلة التعاون الدولي في مجال الرقمنة خلال الولاية الحكومية الحالية تعكس انتقالا نوعيا نحو ترسيخ نموذج عدالة رقمية منفتحة وآمنة ومستدامة، قائمة على الشراكة الفعالة وتبادل الخبرات والمساهمة في صياغة المبادرات الإقليمية والدولية المرتبطة بالتحول الرقمي والأمن السيبراني، بما يعزز مكانة المملكة ويخدم أهداف التنمية الشاملة.
وأوضح أن أهم المحاور التي يرتكز عليها التعاون الدولي بوزارة العدل تشمل تأهيل الإدارة القضائية، وتخليق منظومة العدالة، وتعزيز الحقوق والحريات، والارتقاء بفعالية ونجاعة أداء المحاكم، وإنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، وتحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها، إلى جانب التواصل وتبادل التجارب والممارسات الفضلى مع باقي الدول.
وفي ما يتعلق بمنجزات الوزارة في مجال التعاون الدولي الثنائي، كشف الوزير عن توقيع 24 اتفاقية ثنائية مع دول إفريقية، و13 اتفاقية ثنائية مع دول أوروبية، و17 اتفاقية ثنائية مع دول آسيوية.
أما على مستوى التعاون المتعدد الأطراف، فأكد وهبي أن وزارة العدل انخرطت في مجموعة من برامج التعاون الدولي مع شركائها المؤسساتيين الدوليين، خاصة الهيئات الأوروبية وهيئات الأمم المتحدة الفاعلة في مجال العدالة، بهدف تحسين أداء البرامج العمومية وتعبئة الموارد والخبرات اللازمة لتعزيز نجاعتها.
وختم وزير العدل جوابه بالتأكيد على أن هذه الحصيلة النوعية والكمية خلال الولاية الحكومية الحالية تعكس التزام الوزارة بتعزيز التعاون القضائي الدولي كخيار استراتيجي لتبادل التجارب والخبرات ودعم مناخ الثقة والاستقرار القانوني.
المصدر:
العمق