آخر الأخبار

السليمي: مؤسسة الوسيط تنهي زمن “الإدارة الآمرة” وتبني تعاقدا جديدا أساسه الثقة (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أكد المحلل السياسي والأستاذ الجامعي عبد الرحيم منار السليمي أن المؤسسة المعنية بالوساطة عرفت خلال السنة الأخيرة تحولاً جذرياً في حضورها داخل النقاش العمومي، بعدما كانت تُوصَف قبل فترة قصيرة بالانغلاق، وفق تعبيره، لتصبح اليوم مؤسسة حاضرة في مختلف النقاشات التي تهم المجتمع ومنفتحة على عدد واسع من الفئات الاجتماعية، معتبراً أن هذا التحول يعكس دينامية جديدة في تموقعها داخل المشهد المؤسساتي الوطني.

وأوضح السليمي، خلال ندوة نظمتها مؤسسة الوسيط، مساء أمس الجمعة بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أن فهم هذا التحول يقتضي استحضار السياق الدستوري والمؤسساتي الذي عرفه المغرب، إلى جانب الإشارات الرمزية التي باتت تؤطر وظيفة هذه المؤسسة، مبرزاً أن الإقرار المولوي السامي باعتماد يوم 9 دجنبر يوماً وطنياً للوساطة يحمل في نظره دلالات عميقة تتجاوز البعد الإجرائي إلى أبعاد رمزية ومؤسساتية متعددة.

وفي هذا السياق، اعتبر أن الدلالة الأولى تتمثل في التموقع الرمزي والزمني للمؤسسة، حيث انتقلت من مؤسسة دستورية ذات طابع إداري إلى جزء من الذاكرة الوطنية، مبرزاً أن هذا الإقرار يندرج ضمن مسار بناء ذاكرة مؤسساتية تجعل من المؤسسة جزءاً من الزمن الوطني عبر طقوس سنوية، بما يكرس انتقالها من فضاء الأداء الإداري إلى فضاء الرمزية الوطنية، في انسجام مع باقي المحطات الكبرى للأمة المغربية.

أما الدلالة الثانية، فأكد أنها ترتبط بالمسار الدستوري للمؤسسات الحديثة في المغرب، موضحاً أن نشأة هذه الهيئات لم تكن معزولة عن التطور الدستوري الذي عرفته البلاد منذ دستور 1962، مروراً بمراجعات 1970 و1972 و1992 و1996، وصولاً إلى دستور 2011 الذي أعاد تشكيل الهندسة المؤسساتية وأدرج ضمنها هيئات الحكامة الجيدة وحماية الحقوق.

وأضاف أن مؤسسة الوساطة مرت بثلاث محطات أساسية، بدأت بديوان المظالم سنة 2001، ثم مرحلة الدسترة سنة 2011، قبل أن تنتقل اليوم إلى تموقع رمزي جديد يعكس نضجاً مؤسساتياً متدرجاً وتراكماً تاريخياً في بنية الوظيفة الوسيطة.

وأشار السليمي إلى أن هذا التطور يمكن قراءته عبر ثلاث زوايا مترابطة، تتمثل في الزاوية الوظيفية سنة 2001، ثم الزاوية المعيارية الدستورية سنة 2011، وصولاً إلى الزاوية السوسيو-ثقافية في المرحلة الراهنة، معتبراً أن المؤسسة لا تكتمل وظيفتها إلا عندما تنتقل من المجال القانوني إلى مجال الذاكرة الجماعية، بما يعكس تحولاً في طبيعة حضورها داخل المجتمع.

وفي الدلالة الثالثة، اعتبر أن الإقرار المولوي يعكس تحولاً نموذجياً من منطق التظلم إلى منطق الحكامة، حيث لم تعد الوساطة مجرد آلية دفاعية لحماية المرتفق من تعسف الإدارة، بل أصبحت فاعلاً بنائياً داخل منظومة إنتاج الحكامة العمومية، مبرزاً أن هذا التحول يعكس تطوراً في علاقة المواطن بالإدارة، وانتقالاً تدريجياً من نمط إداري مركزي إلى نمط أكثر تفاعلية وتشاركية.

أما الدلالة الرابعة، فأوضح أنها تتمثل في إعادة بناء العقد الضمني بين المواطن والإدارة على أساس الثقة بدل الإذعان، معتبراً أن مفهوم الثقة هنا يتجاوز البعد الإداري ليشمل أبعاداً دستورية وسياسية وسيكولوجية، ويؤشر على تجاوز مرحلة الإدارة الآمرة نحو علاقة أكثر توازناً وتقارباً بين مختلف الفاعلين.

وأبرز السليمي أن هذا الإقرار يعكس دور المؤسسة الملكية بوصفها سلطة دستورية مستمرة تنظر إلى تطور المؤسسات بشكل استراتيجي، معتبراً أن هذا التوجه يندرج ضمن إدماج المغرب في موجة كونية تهدف إلى تثمين المؤسسات وإعادة تعريف أدوارها في ضوء مرجعيات الإنصاف والعدالة على المستويين الوطني والدولي، بما يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن ويمنح للوساطة مكانة تتجاوز وظيفتها الإدارية التقليدية.

وانتقل السليمي بعد ذلك إلى قراءة كتاب “الوساطة بوصفها إنصافاً”، مبرزاً أن مؤلفه يجمع بين أدوار متعددة تجمع بين القانون الدستوري وعلم السياسة والسياسات العمومية والسوسيولوجيا والأدب والدبلوماسية، وهو ما ينعكس في طبيعة الكتاب الذي لا يكتفي بالمعالجة التقنية لمفهوم الوساطة، بل ينفتح على أفق فلسفي وقيمي واسع.

واعتبر أن عنوان الكتاب يحيل على انتقال مهم من الحقل القانوني إلى الحقل الفلسفي، حيث يتم إعادة تعريف الوساطة بوصفها إنصافاً، وهو ما يعكس انخراطاً في نقاشات عميقة داخل الفلسفة السياسية المعاصرة.

وأضاف أن الكتاب يقدم انتقالاً إبستيمولوجياً من منطق الحماية إلى منطق الحكامة، إذ لم تعد الوساطة مجرد جهاز دفاعي عن المواطن، بل أصبحت جزءاً من آليات إنتاج الحكامة العمومية والمساهمة في مسار الإصلاحات المؤسساتية المتواصلة التي تعرفها البلاد.

كما أشار إلى أن هذا العمل يسعى إلى بلورة ملامح مدرسة وطنية في مجال الوساطة، تقوم على بناء تصور فلسفي وسياسي لهذه الوظيفة، مع الاستفادة من تجارب دولية، في أفق تأسيس رؤية نظرية متكاملة.

وفي سياق حديثه، استحضر السليمي جانباً من علاقته بصاحب الكتاب ووسيط المملكة، حسن طارق، واصفاً إياه بصديق قديم ارتبط منذ سنوات طويلة بقضايا الإصلاح والنقاشات المؤسساتية، مشيراً إلى أنه عرفه منذ بدايات اهتمامه بقضايا الدولة والإصلاح، سواء من خلال عمل جمعوي أو من خلال تتبع كتاباته ومساهماته الفكرية.

كما توقف عند اهتمامه بالكتابة الأدبية والرواية، مبرزاً أن بعض أعماله أثارت نقاشاً داخل الفضاء الثقافي العربي، وأنه ظل متابعاً دقيقاً لما يكتبه وينشره، بما في ذلك مقالات وأعمال فكرية كان يحرص على جمعها ومواكبتها.

وختم السليمي مداخلته بالتأكيد على أن النقاش حول مؤسسة الوساطة لم يعد نقاشاً تقنياً محدوداً، بل أصبح نقاشاً مركباً يدمج بين الأبعاد القانونية والسياسية والسوسيولوجية والثقافية، ويعكس تحولات أعمق في علاقة الدولة بالمجتمع، مبرزاً أن هذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لفهم دينامية الحكامة في المغرب وتطور المؤسسات الدستورية ضمن مسارها التاريخي المتدرج.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا