هبة بريس – محمد زريوح
تستنفر الأجهزة الأمنية في مليلية المحتلة قواها بعد زلزال رقمي كشف عن سقوط عشرات المغاربة في فخاخ “تجار العواطف” الذين أتقنوا فن الاختراق خلف الشاشات الصامتة.
لم تكن الرصاصات هي السلاح المستخدم في هذه الحرب الخفية، بل رسائل نصية مغلفة بالألم نجحت في تبديد حصون الثقة واختراق جيوب الضحايا في مناطق الشمال والشرق وفي أوساط الجالية المغربية بأوروبا، حيث تمكن الحرس المدني من وضع يده على خيوط 11 قضية احتيال دولية سقطت دفعة واحدة لتكشف عن وجه قبيح لعصابات عابرة للحدود تقتات على شهامة الناس وروابطهم العائلية المقدسة.
تبدأ فصول الحكاية بأسلوب سينمائي محكم عبر تطبيق “واتساب”، حيث ينسج المحتالون شباكهم بانتحال صفة قريب أو صديق يمر بمحنة قاسية وتتلقفه أزمات طارئة في بلاد الغربة. وباحترافية عالية، يمارس هؤلاء القناصة الرقميون ضغطاً نفسياً رهيباً تحت ذريعة “الاستعجال القصوى”، وهو السلاح الذي يشل قدرة الضحية على التفكير المنطقي ويدفعها دفعاً نحو تحويل مبالغ مالية بسرعة البرق، لتكتشف الضحية بعد فوات الأوان أن الأموال تبخرت في حسابات بنكية مجهولة بمجرد الضغط على زر الإرسال.
الأرقام التي كشف عنها فريق الجرائم السيبرانية ترسم صورة مرعبة لحجم النزيف المالي، حيث التهمت هذه الشبكات مبالغ ضخمة تراوحت بين تحويلات مباشرة فاقت 3000 أورو وعمليات تصيد إلكتروني عبر روابط خبيثة حصدت أكثر من 6000 أورو إضافية.
ولم يتوقف جشع هذه الشبكات عند هذا الحد، بل امتدت أنيابها لتطال منصات التسوق الإلكتروني وتحويلات بنكية غير مصرح بها، مستخدمة في ذلك ترسانة من الأرقام الدولية الوهمية والهويات الرقمية المزيفة التي تجعل من تتبع المسار المالي معركة تقنية معقدة تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
إن ما يثير القلق والرهبة في هذه الجرائم هو التركيز الممنهج على سيكولوجية “مغاربة العالم”، حيث تدرس هذه الشبكات نقاط الضعف العاطفية بعناية فائقة وتحول التكنولوجيا من أداة تواصل إلى فخ إنساني محكم.
نحن اليوم أمام جيل جديد من “الهندسة الاجتماعية” التي لا تسرق المال فحسب، بل تزرع الشك والخوف في صلب العلاقات الاجتماعية، مما يحول كل إشعار هاتف محمول إلى مشروع ساحة جريمة محتملة يختبئ خلفها مجرمون مجهولون يتقنون لغة الاستغاثة الوهمية لجني ثمار النصب بدم بارد.
وبينما يستمر الحرس المدني في فك شفرات الحسابات البنكية المشبوهة وملاحقة المتورطين، تظل اليقظة الرقمية هي الرصاصة الوحيدة القادرة على إيقاف هذا الهجوم الكاسح.
فالتحذيرات الأمنية الصارمة تدق ناقوس الخطر بضرورة كسر طوق “الاستعجال” الذي يفرضه المحتالون، والتمسك بالقاعدة الذهبية التي تقضي بالتحقق المباشر من أي طلب مالي مهما بلغت درجة حساسيته، لأن العدو اليوم لا يطرق الأبواب بقوة بل يتسلل بنعومة من بين الأصابع عبر شاشات مضيئة لا ترحم المغفلين.
المصدر:
هبة بريس