آخر الأخبار

مغرب المستقبل ورهان الحكم الذاتي: حين تلتقي الرؤية الملكية بالقدرة التدبيرية للأحزاب السياسية

شارك

بقلم: الدكتور جمال العزيز

يعتبر مقترح الحكم الذاتي أحد أعمدة السياسة الوطنية للمملكة المغربية و مدخل متقدم لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والجهات، في إطار وحدة الدولة وسيادتها وقدرتها على تحويل الرهانات الوطنية إلى مشاريع مؤسساتية قابلة للتنزيل، تؤطرها رؤية استراتيجية واضحة وتواكبها نخب سياسية مؤهلة.

لقد رسخت الرؤية الملكية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، منذ سنوات، تصورا متكاملا يقوم على جعل الجهوية المتقدمة رافعة للتنمية، وآلية لترسيخ الديمقراطية الترابية وأفقا عمليا لتنزيل الحكم الذاتي في أبعاده السياسية والإقتصادية والإجتماعية. وهي رؤية تستبطن وعيا عميقا بتحولات السياق الجيوسياسي الإقليمي والدولي، حيث أصبحت الحلول الواقعية المبنية على اللامركزية والحكامة الترابية خيارا استراتيجيا للدول التي تسعى إلى تعزيز استقرارها الداخلي ومكانتها الخارجية.

في هذا السياق، يبرز دور الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار، كفاعل محوري في مواكبة هذا الورش الإستراتيجي، من خلال القدرة على التنزيل الفعلي لهذه الرؤية على أرض الواقع. فالتجمع الوطني للأحرار، بحكم تجربته التدبيرية وحضوره داخل المؤسسات المنتخبة، وانخراطه في دينامية الإصلاح، يمتلك من المؤهلات ما يجعله قادرا على المساهمة الفعلية في تفعيل مقتضيات الحكم الذاتي ضمن تصور وطني مندمج.

إن تنزيل الحكم الذاتي يقتضي إعادة تأهيل النخب الترابية، وتعزيز قدرات الجهات في التخطيط والتدبير وتكريس حكامة مالية متقدمة، قائمة على الإستقلالية والمسؤولية وربط القرار بالمحاسبة. وهنا تتجلى أهمية الأحزاب السياسية التي تمتلك امتدادا ترابيا وتنظيميا قادرا على تأطير الفاعلين المحليين، وتقديم نخب قادرة على تدبير المرحلة.

وفي هذا الإطار، يمكن لحزب التجمع الوطني للأحرار أن يضطلع بأدوار استراتيجية متعددة، من أبرزها:

الإسهام في إنتاج خطاب سياسي متجدد يواكب التحولات الجيوسياسية، ويعزز من مشروعية مقترح الحكم الذاتي دوليا، عبر تبني لغة واقعية، قائمة على إبراز النجاحات التنموية بالمناطق الجنوبية، وربطها بأفق الجهوية المتقدمة.

وكذلك، العمل على تأهيل النخب الجهوية، من خلال برامج تكوين مستمرة تستهدف المنتخبين والأطر المحلية، بما يمكنهم من استيعاب رهانات الحكم الذاتي وآليات تنزيله، وتبني مقاربة التدبير الإستراتيجي، و الدفع نحو تعزيز الديمقراطية الترابية، عبر تمكين الجهات من صلاحيات فعلية، وتطوير آليات المشاركة المواطنة، لترسيخ روح الحكم الذاتي كخيار ديمقراطي قبل أن يكون حلا سياسيا.

إن المساهمة في تطوير نموذج تنموي جهوي مبتكر، قائم على تثمين الخصوصيات المحلية، وربط الإقتصاد الجهوي بسلاسل القيمة الوطنية والدولية، و الإنخراط في دبلوماسية حزبية موازية، تعزز حضور المغرب في المنتديات الدولية، في انسجام مع الدبلوماسية الرسمية للمملكة؛يشكلان معا مدخلا استراتيجيا لترسيخ مقومات الحكم الذاتي في بعده العملي، وتحويله من تصور سياسي إلى واقع تنموي ملموس.

لابد من الإنتقال إلى مرحلة أكثر تقدما، قوامها تمكين الجهات من أدوات التخطيط الإستراتيجي، وتعزيز استقلاليتها المالية، وتطوير قدراتها على استقطاب الإستثمار وابتكار الحلول التنموية.

إن المرحلة تفرض بناء نخب جهوية جديدة، قادرة على استيعاب رهانات المرحلة، وتمثل امتدادا حقيقيا للرؤية الملكية في بعدها الترابي، من خلال الجمع بين الكفاءة التدبيرية والوعي السياسي، والقدرة على التفاعل مع التحولات الجيوسياسية.

وفي هذا الإطار، يصبح الرهان على الذكاء الترابي، والإبتكار المؤسساتي، وتكامل الأدوار بين الدولة والأحزاب والفاعلين المحليين، أساسا لإرساء نموذج مغربي متفرد في تنزيل الحكم الذاتي، نموذج يعزز السيادة الوطنية، ويرسخ الإستقرار، ويفتح آفاقا جديدة لمغرب المستقبل.

إن حزب التجمع الوطني للأحرار، بما راكمه من تجربة، وما يمتلكه من امتداد تنظيمي، مدعو اليوم إلى تعميق انخراطه في هذا الورش، وتعزيز موقعه كفاعل سياسي وطني يواكب التحولات ويؤطر المستقبل.

إن مغرب المستقبل في حاجة إلى نخب سياسية قادرة على فهم واستيعاب رهاناته الداخلية والخارجية، وجعل الحكم الذاتي مشروع وطني متكامل لإعادة تعريف التنمية وتعزيز الوحدة، وفتح آفاق جديدة لمغرب متماسك ومتجذر في محيطه الإقليمي والدولي.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا