كشفت مصادر عليمة لجريدة “العمق” أن المصالح المركزية بوزارة الداخلية، وبالأخص المديرية المالية للجماعات الترابية، توصلت خلال الفترة الأخيرة بتقارير دقيقة ومفصلة ترصد تفاقم مقلق لديون عدد من الجماعات الترابية الكبرى، خاصة تلك الواقعة ضمن المجال الحضري بجهة الدار البيضاء-سطات.
وأفادت المصادر ذاتها أن هذه التقارير، التي رفعتها عمالات وأقاليم الجهة، إلى جانب خلاصات تقارير أنجزتها المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات، دقت ناقوس الخطر بشأن الوضعية المالية المتدهورة لعدد من الجماعات، بعد تسجيل ارتفاع غير مسبوق في حجم الديون المتراكمة.
وأضافت المصادر أن هذه المديونية بلغت مستويات مالية ضخمة تقدر بمليارات الدراهم، وهو ما اعتبرته الجهات المختصة مؤشرا على اختلالات بنيوية عميقة في تدبير المالية المحلية، تستدعي تدخلا عاجلا لإعادة التوازن.
وسجلت التقارير أن عددا من الجماعات الترابية أصبح عاجزا عن الوفاء بالتزاماته الأساسية، وعلى رأسها أداء فواتير الخدمات العمومية الحيوية، مثل الماء والكهرباء والتطهير السائل، ما يهدد استمرارية هذه الخدمات ويؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.
وأشارت المعطيات ذاتها إلى أن بعض الجماعات لم تعد قادرة على تسديد أقساط القروض التي حصلت عليها لتمويل مشاريع تنموية واستثمارية، وهو ما يزيد من تعقيد وضعيتها المالية ويضعها في دائرة الخطر.
وفي السياق ذاته، رصدت التقارير حالات تعثر في تدبير عقود التدبير المفوض، خاصة في قطاعات حساسة كالنقل الحضري وجمع النفايات والنظافة، حيث عجزت جماعات عن أداء مستحقات الشركات المفوض لها، ما أدى إلى توترات واختلالات في جودة الخدمات المقدمة.
وعزت المصادر أسباب هذا الوضع إلى اختلالات جسيمة في منظومة التحصيل الجبائي، حيث تعاني الجماعات من ضعف في استخلاص الرسوم والضرائب المحلية، إلى جانب انتشار مظاهر التهرب والتراخي في المتابعة.
وأكدت التقارير أن غياب الحكامة المالية الرشيدة يعد من أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم الأزمة، حيث تم تسجيل تأخر كبير في الأداءات وعدم احترام الآجال القانونية، ما أدى إلى تراكم الغرامات والفوائد.
وكشفت الوثائق الرسمية عن وجود اختلالات في إعداد وتنفيذ الميزانيات، إذ يتم في بعض الحالات تضخيم النفقات أو برمجة مشاريع دون توفر موارد مالية كافية، ما يؤدي إلى عجز هيكلي متكرر.
وأبرزت المصادر أن بعض الديون المسجلة تفتقر إلى الدقة المحاسبية، حيث تم رصد التزامات مالية غير مضبوطة أو غير مبررة، وهو ما يطرح تساؤلات حول شفافية التدبير المالي داخل هذه الجماعات.
وفي جانب آخر، أشارت المعطيات إلى مسؤولية عدد من الآمرين بالصرف، الذين ساهمت قراراتهم وتدبيرهم في دفع جماعات ترابية إلى حافة الانهيار المالي، نتيجة سوء التقدير أو غياب المراقبة.
وأوضحت المصادر أن بعض هؤلاء المسؤولين تورطوا في ممارسات مشبوهة، من خلال التواطؤ مع شركات عقارية وأشخاص نافذين، عبر منح امتيازات أو التغاضي عن استخلاص مستحقات جبائية مهمة، ما حرم الجماعات من موارد مالية حيوية.
كما تم تسجيل تساهل واضح في تحصيل الديون، حيث لم يتم اللجوء إلى المساطر القانونية اللازمة لاستخلاص المستحقات، بسبب التراخي أو تدخلات خارجية، وهو ما ساهم في تفاقم الوضع.
وفي السياق ذاته، كشفت تقارير أجهزة التفتيش الإدارية المركزية التابعة لوزارة الداخلية عن حالات متكررة تثير شبهات تبديد واختلاس أموال عمومية، تورط فيها رؤساء جماعات ترابية ونوابهم.
وترتبط هذه الشبهات، حسب المصادر، بانتشار ما وصف بـ”ريع التراخيص”، خاصة في مجالات التعمير والأنشطة التجارية والصناعية، حيث يتم منح رخص بطرق غير شفافة، مقابل تفويت مداخيل مهمة على الجماعات.
وأكدت المصادر أن هذه الممارسات تساهم بشكل مباشر في تقليص الموارد الذاتية للجماعات، وتؤدي إلى إضعاف قدرتها على تمويل مشاريع التنمية المحلية والاستجابة لحاجيات الساكنة.
وختمت المصادر حديثها بالتأكيد على أن هذه التقارير وضعت وزارة الداخلية أمام تحد كبير يستدعي اتخاذ إجراءات صارمة لإصلاح منظومة التدبير المالي المحلي، وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة، من أجل ضمان استدامة المالية الترابية وتحقيق التنمية المنشودة.
المصدر:
العمق