في سياق فني يراهن على كسر الحدود التقليدية بين الذاكرة والتكنولوجيا، تستعد مدينة الدار البيضاء يوم 15 ماي الجاري لاحتضان عرض هولوغرامي استثنائي يعيد إحياء اسم الفنان الراحل عبد الحليم حافظ؛ في تجربة فنية متكاملة تسعى إلى استحضار “العندليب الأسمر” كما لو كان يعود إلى الخشبة من جديد، بصوته وحضوره وإحساسه الذي ظل حاضرا في وجدان أجيال متعاقبة.
هذا الموعد، الذي أثار منذ الإعلان عنه نقاشا واسعا، لا يقتصر على كونه عرضا بصريا يعتمد على تقنيات الهولوغرام؛ بل يتجاوز ذلك ليقدم تجربة مسرحية حية تتداخل فيها السينوغرافيا الحديثة مع أوركسترا مباشرة وصوت معاد بناؤه بعناية، في محاولة لإعادة تشكيل لحظة فنية كاملة تستحضر روح الحفلات الكلاسيكية بروح معاصرة.
وفي قلب هذا المشروع، تقف جميلة أطناز، مديرة تصميم الصورة الواقعية، التي أشرفت على تفاصيل بناء الصورة الافتراضية لعبد الحليم حافظ، من ملامحه وحركاته إلى تعبيراته على الخشبة، في عمل تقني وفني معقد يزاوج بين الأرشيف التاريخي والتكنولوجيا ثلاثية الأبعاد، ويطمح إلى تقديم نسخة بصرية أقرب ما تكون إلى الواقع.
وفي هذا الحوار مع هسبريس، تكشف أطناز عن كواليس هذا العمل ورهاناته التقنية والفنية والاختيارات التي رافقت تصميم العرض، إلى جانب التحديات التي واجهت الفريق خلال مراحل الإنجاز.
هذا العرض لا يندرج ضمن فكرة “إعادة الإحياء” التقليدية؛ بل هو تجربة فنية متكاملة تمزج بين أحدث تقنيات الهولوغرام والإخراج الفني عالي الدقة. إن الهدف لم يكن فقط استحضار صورة عبد الحليم حافظ؛ بل إعادة بناء حضوره الإحساسي على الخشبة، بما يجعل الجمهور يعيش لحظة فنية قريبة جدا من الحقيقة، وكأنه أمام حفل مباشر وليس عملا رقميا.
ركزنا بشكل كبير على خلق تجربة تفاعلية مع الجمهور؛ من خلال “سينوغرافيا” حديثة تعتمد على توزيع بصري مدروس، إلى جانب جودة صوت عالية جدا تواكب التفاصيل الدقيقة للأداء. كما تم اعتماد “أوركسترا” حية، وهو عنصر أساسي يمنح العرض روحا حقيقية، ويكسر الإحساس بأننا أمام تقنية بحتة، ليصبح العرض تجربة حسية متكاملة.
اختيار المغرب لم يكن صدفة؛ بل جاء انطلاقا من العلاقة العاطفية القوية التي تربط الجمهور المغربي بأغاني عبد الحليم حافظ، وهو جمهور يملك حسا فنيا راقيا وتفاعلا كبيرا مع هذا النوع من الأعمال. أما الدار البيضاء، فقد تم اختيارها لكونها مدينة ذات طابع ثقافي واقتصادي مهم، وتتوفر على بنية تحتية قادرة على استضافة عروض عالمية بهذا الحجم، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يسهل حضور جمهور من مختلف المدن.
قرار التأجيل لم يكن اعتباطيا؛ بل جاء بدافع أساسي هو ضمان جودة العرض النهائي. إن هذا النوع من المشاريع يعتمد على دقة عالية جدا في التنسيق بين الصورة والصوت والإضاءة، وأي خلل بسيط يمكن أن يؤثر على التجربة ككل. كما أن الظروف الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط أثرت على تنقل عدد من التقنيين والمهندسين القادمين من دول مختلفة؛ ما فرض إعادة برمجة بعض الرحلات، وبالتالي فضلنا التريث لضمان حضور الفريق كاملا وتفادي أي ارتباك تقني.
بالعكس تماما، لم يؤد التأجيل إلى تراجع الإقبال؛ بل ساهم في رفع مستوى الاهتمام، الجمهور أصبح أكثر ترقبا وفضولا حول طبيعة العرض، وبدأ يتعامل معه كحدث فني استثنائي يستحق الانتظار. ويمكن القول إن التأجيل خلق نوعا من التشويق الإيجابي الذي زاد من قيمة المشروع في نظر الجمهور.
اعتمدنا على تقنيات متقدمة جدا في معالجة الصور وإعادة بناء الملامح، بالاستناد إلى أرشيف غني للفنان الراحل. اشتغلنا على تفاصيل دقيقة؛ مثل تعابير الوجه، حركة العينين، وإيماءات الجسد، مع احترام مختلف مراحله العمرية، خصوصا فترة السبعينيات التي شهدت تغيرات واضحة في ملامحه. كما تم الاشتغال على الإضاءة وزوايا العرض بشكل دقيق جدا لضمان أقصى درجات الواقعية.
تم الحفاظ بشكل كامل على الروح الأصلية للأغاني التي ارتبط بها الجمهور، وهي عنصر أساسي في نجاح أي عمل مرتبط بعبد الحليم حافظ. في المقابل، عمل المايسترو فيصل نواش، مخرج العرض، على إدخال لمسات توزيع موسيقي حديثة وخفيفة، تتماشى مع طبيعة العرض الحي ووجود الأوركسترا، دون أن تمس بالهوية الأصلية للأعمال.
بالفعل، الجانب القانوني كان من الأولويات الأساسية في هذا المشروع. تم العمل على استيفاء جميع الحقوق المتعلقة باستخدام صورة واسم عبد الحليم حافظ، إضافة إلى حقوق الأغاني؛ بتنسيق كامل مع الجهات المعنية. الهدف هو تقديم عمل يحترم الإطار القانوني بشكل صارم، ويضمن في الوقت نفسه مستوى احترافيا يليق بقيمة الفنان وتاريخه.
المصدر:
هسبريس