آخر الأخبار

نجاة بلقاسم: لم أكن وزيرة “تقليدية” في فرنسا.. والفجوة القروية تهدد نتائج ورش مدونة الأسرة المتقدم

شارك

أكدت نجاة فالو بلقاسم، السياسية الفرنسية من أصل مغربي، التي شغلت منصب وزيرة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي بفرنسا، أن النقاش الجاري بالمغرب حول إصلاح “مدونة الأسرة” يعكس دينامية إيجابية وتقدما ملموسا، مشددة في الآن ذاته على أن تقييم هذا الورش يظل بالأساس من اختصاص الفاعلين داخل البلاد، بالنظر إلى خصوصيات السياق الاجتماعي والثقافي،

وأوضحت بلقاسم، خلال مداخلة لها في لقاء نظمته مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم، مساء الثلاثاء بالرباط، أن مقارنة المطالب التي ترفعها الجمعيات النسائية اليوم تكشف أن مسار تحقيق المساواة لم يبلغ بعد غايته، مبرزة أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الفوارق الصارخة بين الوسطين القروي والحضري، خاصة على مستوى الولوج إلى التعليم ونسب تمدرس الفتيات وحصولهن على الشهادات، وهو ما يعكس، بحسبها، عمق الهوة الاجتماعية والثقافية التي لا تزال تعيق تحقيق تكافؤ الفرص.

وشددت المتحدثة ذاتها، التي شغلت منصب الناطقة الرسمية باسم الحكومة الفرنسية سابقا، على أن محدودية عدد الفتيات الحاصلات على شهادات في المناطق القروية والنائية دليل واضح على أن المعركة الحقيقية هي معركة ثقافية بالأساس، مبرزة أن تكريس المساواة في النصوص القانونية يظل غير كافٍ إذا لم يواكبه تحول في العقليات اليومية التي قد تحصر أدوار الفتيات أو تنظر بخوف إلى مغادرتهن لمتابعة الدراسة أو تدفع نحو تزويجهن في سن مبكرة، معتبرة أن هذه التمثلات الثقافية تشكل عائقا بنيويا أمام أي تقدم قانوني.

وأضافت أن ترتيب الأولويات في هذا السياق يقتضي عدم الاكتفاء بتطوير القوانين من حيث تفعيلها، بما في ذلك قضايا مثل تقاسم السلطة الأبوية بين الأزواج المنفصلين، بل يستدعي أيضا خوض معركة توعوية واسعة لضمان تعميم التعليم في العالم القروي، مؤكدة أن التعليم يظل السبيل الأساسي للتحرر والرافعة التي تمكّن النساء والرجال من ممارسة المساواة التي يقرها القانون بشكل فعلي.

وفي سياق آخر، تطرقت بلقاسم إلى مسألة التركيز على المسار المهني للنساء مقابل إغفال حياتهن الشخصية، معربة عن اتفاقها مع هذا الطرح، ومؤكدة ضرورة إعادة الاعتبار لما يجري داخل الفضاء الأسري، خاصة ما يتعلق بتربية الأطفال وتنشئتهم، معتبرة أن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تبقى حكرا على الأمهات، بل يجب أن يتقاسمها الآباء أيضا، مشددة على أهمية تثمين مختلف أبعاد الحياة، سواء المهنية أو الشخصية، بما يشمل ليس فقط الأعمال المنزلية، بل أيضا الدعم المعنوي والنصح والإنصات.

تجربة حكومية غير تقليدية

وعن تجربتها في العمل الحكومي، أوضحت بلقاسم أنها لم تكن تشعر بأنها مسؤولة سياسية “تقليدية”، مشيرة إلى أن مسارها كان يحمل في طياته عناصر إيجابية وأخرى شكلت تحديا، حيث وجدت نفسها في موقع غير مألوف بالنسبة للبعض، بالنظر إلى كونها أول امرأة تتولى حقيبة التربية الوطنية في فرنسا، ومن أصول أجنبية وثقافة مسلمة، إضافة إلى حداثة سنها نسبيا.

وأبرزت أن من بين الخصوصيات التي ميزت مسارها أيضا كونها أول وزيرة للتربية الوطنية تلقت تعليمها كاملا في المدارس العمومية، بما في ذلك مؤسسات تقع ضمن ما يعرف بمناطق التعليم ذات الأولوية، وهو ما جعلها، بحسب تعبيرها، أقرب إلى واقع الفئات الشعبية مقارنة بعدد من السياسيين الذين يختارون التعليم الخاص لأبنائهم رغم إشرافهم على المنظومة العمومية.

وسجلت أن هذه المعطيات مجتمعة جعلتها محل مراقبة مشددة من قبل بعض التيارات المحافظة التي لم تكن تعتبرها “شخصية شرعية” بالمعنى التقليدي، مقابل حصولها على دعم وتعاطف من فئات أخرى، معتبرة أن هذا التباين يندرج ضمن طبيعة العمل السياسي، حيث تصبح كل التصريحات والقرارات، مهما بدت بسيطة، موضوعا للنقاش والجدل.

وأكدت بلقاسم أن الضغوط والتحديات التي واجهتها شكلت دافعا لتقوية شخصيتها وتعزيز إصرارها على محاربة أشكال عدم المساواة، معتبرة أن حالات التوتر والاستقطاب التي يفرضها الرأي العام يمكن أن تدفع الأفراد إلى تجاوز ذواتهم والخروج من مناطق الراحة.

الثقافة في السياسات التعليمية

وفي ما يتعلق بمكانة الثقافة ضمن السياسات التعليمية، عبرت المتحدثة عن قناعتها بإمكانية القيام بما هو أفضل في مختلف البلدان، منتقدة الفصل القائم بين التعليم والثقافة، حيث يُنظر إلى التعليم باعتباره موجها للشباب، بينما تُحصر الثقافة في الكبار، وهو ما وصفته بتصور غير واقعي، في ظل هيمنة الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام.

ودعت إلى إدماج أكبر للثقافة داخل المنظومة التعليمية، خاصة من خلال تعزيز حضور الإبداع والسرديات الإنسانية في العملية التربوية، مبرزة أن الأجيال الحالية تجد صعوبة في التفاعل مع المضامين النظرية الجافة، وتحتاج إلى مقاربات تعليمية قائمة على الحكي والتفاعل.

كما توقفت بلقاسم عند تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي على المجتمعات وتراجع الحس النقدي، مؤكدة إيمانها العميق بدور المدرسة، لكنها شددت على ضرورة إعادة التفكير في طرق اشتغالها، معتبرة أن الأساليب التقليدية، مثل الواجبات المنزلية التي يتم تقييمها لاحقا، لم تعد ملائمة في ظل لجوء عدد كبير من التلاميذ إلى أدوات رقمية للذكاء الاصطناعي لإنجازها.

واعتبرت أن الحل لا يكمن في مقاومة هذه التحولات أو محاولة منع الأدوات الرقمية، بل في تغيير النموذج التعليمي، مشيرة إلى نموذج “الفصل المقلوب” كأحد البدائل الممكنة، حيث يطّلع التلاميذ على الدروس في منازلهم، ويتم تخصيص وقت الحصة الدراسية للتطبيق والتفاعل، وهو ما اعتبرته مقاربة أكثر انسجاما مع متطلبات العصر الرقمي.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا