تقترب محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط من إسدال الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مجال تدبير الجبايات المحلية، والتي تجمع بين شركة عقارية خاصة وجماعة الهراويين، وذلك بعد أن قررت تحديد جلسة لاختتام البحث القضائي الذي باشرته من أجل الحسم في الأساس الضريبي المرتبط بالملف.
ويأتي هذا التطور بعد مسار قضائي معقد ومتشعب، انطلق من المحكمة الإدارية الابتدائية بالدار البيضاء، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الاستئناف بالعاصمة الرباط، حيث خضع الملف لإجراءات تدقيق قانوني ومالي معمق، بالنظر إلى حساسية الموضوع وانعكاساته المباشرة على مالية الجماعة الترابية المعنية.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن القضية بلغت مراحلها النهائية، حيث أوشكت على الوصول إلى نقطة الحسم بعد أشهر من المداولات والبحث في الوثائق والمعطيات المرتبطة بملف الإعفاءات الضريبية على الأراضي، وهي الإعفاءات التي أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والإدارية بجهة الدار البيضاء-سطات.
وفي خضم هذا الترقب، يعيش عدد من المسؤولين الجماعيين حالة من القلق والحذر، في انتظار ما ستسفر عنه المحكمة من حكم نهائي، خاصة وأن القرار المرتقب سيحدد بشكل واضح مدى قانونية هذه الإعفاءات، وما إذا كانت قد مُنحت وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل، أم أنها شابتها اختلالات تستوجب المساءلة.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة، ليس فقط لارتباطها بنزاع قانوني بين طرفين، بل لكونها تمس بشكل مباشر مبدأ العدالة الجبائية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تدبير الموارد المالية للجماعات الترابية، وحدود السلطة التقديرية في منح الامتيازات الضريبية.
وفي السياق ذاته، تفيد مصادر مطلعة أن المصالح المركزية بوزارة الداخلية تتابع عن كثب مختلف تطورات هذا الملف، نظرا لارتباطه بتوازنات مالية دقيقة داخل جماعة الهراويين، فضلا عن تأثيره المحتمل على الوعاء الضريبي، الذي يعد من الركائز الأساسية لتمويل المشاريع المحلية والخدمات العمومية.
كما أن مآل هذه القضية قد يشكل سابقة قضائية يعتد بها في ملفات مماثلة، خصوصا في ظل تزايد الجدل حول تدبير الإعفاءات الجبائية، ومدى انسجامها مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أنه من المتوقع أن ينتقل الملف، بعد البت فيه من طرف القضاء الإداري، إلى ردهات محاكم جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وذلك حسب ما سيقضى به في الحكم الاستئنافي.
وسبق وأن أصدرت المحكمة الإدارية الاستئنافية بالرباط حكما تمهيديا يقضي بإجراء بحث تفصيلي في هذه القضية التي تجمع بين شركة عقارية خاصة وجماعة الهراويين، حيث يأتي هذا القرار بعد أن كان القضاء الإداري بالدار البيضاء قد حسم النزاع في وقت سابق لصالح الشركة المعنية، قبل أن يتم الطعن في الحكم أمام درجة الاستئناف، ما أعاد فتح الملف للنظر في حيثياته بشكل أعمق.
وقضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في وقت سابق إلغاء مجموعة من الرسوم المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية التي سبق لجماعة الهراويين أن أصدرتها في حق شركة متخصصة في الإنعاش العقاري، مع إبطال مسطرة التحصيل التي تمت عن طريق الإشعار للغير الحائز، وتحميل الخزينة العامة الصائر.
وتعود تفاصيل النزاع إلى المقال الافتتاحي للدعوى الذي تقدمت به الشركة بتاريخ 20 مارس 2025، أكدت من خلاله أنها فوجئت بقيام وكالة بنكية بسحب مبالغ مالية مهمة من حسابها، وذلك بناء على إشعار للغير الحائز متعلق بالرسوم على الأراضي غير المبنية.
وحسب نسخة الحكم، فإن بعد التدقيق الإداري والمحاسبي، تبين للشركة أن تلك الرسوم غير مبررة، مما يجعل عملية السحب مخالفة لمقتضيات المادة 119 من مدونة تحصيل الديون العمومية، سواء من حيث الشكل أو من حيث انعدام المديونية.
وأضافت المدعية أن مبلغ 1.856.211.76 درهم تم استخلاصه عبر الإشعار رقم 697/2024/1388، رغم أن رئيس جماعة الهراويين سبق أن بلغ القابض برسالة رسمية بتاريخ 5 أبريل 2024 تؤكد إعفاء العقارات المعنية من الضريبة على الأراضي غير المبنية طبقا للمادة 42 من القانون 47-06.
كما أوضحت المدعية أن مبالغ 477.202.85 درهم و503.268.46 درهم و551.389.65 درهم تتعلق بالرسم العقاري عدد 8128/س، وهو معفى من الأداء ابتداء من سنة 2019، وفق رسالة رسمية صادرة عن رئيس الجماعة بتاريخ 14 يوليوز 2023، إلا أن القابض واصل التحصيل عبر الإشعار للغير الحائز رقم 1388/2024/722 عن سنتي 2022 و2023.
وفي ردها، اعتبرت الخزينة العامة أن أوامر الإلغاء التي صدرت عن رئيس الجماعة غير معللة، وأن إجراءات التحصيل استندت إلى أوامر بالمداخيل مذيلة بالصيغة التنفيذية، غير أن المحكمة خلصت إلى أن رئيس الجماعة يملك صلاحية إلغاء الرسم متى ثبت عدم أحقيته، وأن الوثائق المرفقة بالملف تؤكد الإعفاء وعدم مشروعية التحصيل.
وبخصوص مسطرة الإشعار للغير الحائز، دفعت المدعية بعدم تبليغها بآخر إشعار بدون صائر، في حين تمسكت الخزينة بعدم وجود إلزام قانوني بذلك، غير أن المحكمة استندت إلى المادة 36 من مدونة تحصيل الديون العمومية التي تشترط إرسال آخر إشعار قبل مباشرة إجراءات التحصيل الجبري وتقييد ذلك في السجلات.
وأكدت المحكمة الإدارية في حكمها على قبول الطلب الأصلي ومقال الإدخال شكلا، وفي الجوهر قضت بإلغاء الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية برسم سنة 2020 وكذلك بالنسبة للسنوات 2018 و2019 و2020، مع إلغاء الإشعارات للغير الحائز أرقام 1388/2024/697 و1388/2024/722 و1388/2024/680.
وقررت المحكمة تحديد واجب الرسم المتعلق بالرسم العقاري 8128/س على أساس مساحة 344.429 متر مربع وبمبلغ سنوي قدره 728.990 درهم عن سنوات 2021 و2022 و2023 و2024، مع تحميل الخزينة العامة مصاريف الدعوى ورفض باقي الطلبات.
المصدر:
العمق