أثار موضوع اللغة في المغرب سجالًا بين كل من الكاتب فؤاد العروي، والأستاذ الجامعي والباحث في السيميائيات سعيد بنكراد، والباحث في اللسانيات فؤاد بوعلي، بحيث تباينت وجهات نظرهم بشكل ملحوظ بشأن مجال استعمال الدارجة المغربية وإمكانية تطويرها والارتقاء بها إلى لغة، كما حدث لبعض الشعوب في تعاملها مع لغات محلية.
جاء ذلك في ندوة بعنوان “عقدة اللغة والإعلام المغربي”، من تنظيم منتدى الإعلام والمواطنة، اليوم الثلاثاء 5 ماي 2026، احتضنها رواق منظمة العالم الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الأيسيسكو، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم بمدينة الرباط.
ففي الوقت الذي دافع فيه العروي عن إمكانية تطوير الدارجة والارتقاء بها، أشار بنكراد إلى أن الأمر يتعلق بدارجات وليس واحدة، قائلا إن الإشكال لا يكمن في اللغة بقدر ما يرتبط بضعف القراءة والمستوى الثقافي، بينما اعتبر بوعلي أن جوهر الأزمة يتجاوز اللغة ذاتها ليطرح إشكال غياب سياسة لغوية واضحة وتحديد دقيق لوظائف كل لغة، خاصة داخل الإعلام والتعليم.
إشكالية الازدواجية
وانطلق العروي في حديثه من إشكالية تتمثل في كون المغاربة يتحدثون عددا من اللغات مثل الأمازيغية والعامية والفرنسية وغيرها، موضحا أن “المشكل اللغوي هو أي لغة يمكن استعمالها لمخاطبة المغاربة بكل فئاتهم”، وتساءل: “لماذا لم يحدث الإعلام لغة وسيطة”.
واعتبر أن المشكل اللغوي في المغرب لا يتعلق بالتعدد اللغوي، بل بالازدواجية اللغوية، وهو وجود شكلين مختلفين من اللغة، واحدة راقية تستعمل في مجالات معينة كالعلم والمعرفة، والأخرى لا تتجاوز الاستعمال في الحياة اليومية بين الناس.
وضرب العروي مثلا بما وقع في اليونان خلال القرن الماضي، مشيرا إلى أن هذا البلد كان شعبه يستعمل لغتين، واحدة رسمية وتستعمل في العلم والمعرفة، والأخرى كانت لغة للشعب، وبعد سنة 1976 تم الاعتراف باللغة الأخرى أيضا وجعلها رسمية.
وخلص العروي إلى أن تطور اللغة يتم عبر الزمن وبفعل الممارسة، مشيرا إلى أنه كان قد دعا في أحد كتبه إلى اعتماد الحروف اللاتينية في كتابة العربية، وهو ما أثار جدلا واسعا آنذاك. غير أنه يرى اليوم أن هذا التوجه لم يعد غريبا، إذ أصبح عدد كبير من الشباب يكتبون العامية بالحرف اللاتيني. كما أكد أن اللغة الفرنسية، التي تستخدم حاليا في البحث العلمي، قد نشأت من لاتينية عامية، وأنه من الممكن كذلك أن تتطور الدارجة.
“أكذوبة الدارجة”
لكن بنكراد نبه إلى أن هناك “أكذوبة” تقول إن لدينا دارجة/عامية، والحقيقة أن في المغرب دارجات، وأن هناك تعددية على هذا المستوى، مستدلا باختلاف حديث الناس من منطقة إلى أخرى. وأوضح أنه “كلما ارتفع المستوى الثقافي للناس ارتفعت لغتهم أيضا”، مشددا على أن “الانتصار للغة لا يمكن أن بقرار سياسي”.
“إذا انتصرنا للدارجة” على حساب اللغة العربية، يقول الباحث في السيميائيات سعيد بنكراد، “سنخسر كل ما تركه لنا التاريخ العربي الإسلامي، وسنخسر أيضا ما ينتج في الدول العربية الأخرى”. ودافع عن غنى العربية عكس الدارجة، قائلا إن “الدارجة ميالة إلى الأحادية في تسمية الأشياء والمعاني عكس العربية”.
واعتبر أن المشكل يكمن في “الجهل” وضعف الثقافة، وهو ما يجعل العديد من المغاربة لا يتحدثون إلا الدارجة فقط، مبرزا أن الدارجة قاصرة عن التعبير عن مجموعة من المعاني، خصوصا في مجال المعرفة والبحث العلمي، متسائلا “كيف نقول مثلا الإحالة العلمية” بالعامية، مشددا على أن “هناك معرفة لا يمكن أن تدرس إلا بلغتها”، مشيرا إلى أنه جرب الدارجة في إلقاء درس أكاديمي لكن طلبته لم يفهموا شيئا.
وأشار بنكراد إلى أنه يقرأ بعض الجرائد باللغة العربية، فيجدها لغة عادية تقدم الأخبار “وأرى أنها تفي بالغرض”، و”عندما أطلع على موقع إلكتروني يكتب بالدارجة، لا أستطيع أن أقرأ فيه الأخبار.. هناك وهم يظن أصحابه أن الكتابة بالدارجة ستجعل الجمهور يتهافت على المحتوى”.
واعتبر الباحث في السيميائيات أن “المغاربة شعب يعيش خصاصا حضاريا، بحيث وجدنا أنفسنا محاصرين بما يأتينا من الخارج ولم نأخذ فرصة لنطور أنفسنا”، كما أوضح أن تعلم الإنجليزية أو الفرنسية لا يعني التقدم بالضرورة، مشيرا إلى أن بعض الدول الإفريقية ما زالت متخلفة على الرغم من اعتمادها للإنجليزية والفرنسية كلغة رسمية.
و”ضمن اللغة ذاتها يمكن أن نخلق مستويات مختلفة، وإذا تبنينا الدارجة كلغة رسمية فإن ذلك يفرض أن نخلق فيها مستويات، وهذا سيأخذ منا وقتا طويلا”، يقول بنكراد، ودعا إلى تطوير الدارجة وتأهيل بعض مفرداتها لإدماجها في معجم اللغة العربية، لأن “قوة اللغة تكمن في تأقلمها مع ما هو متاح”.
هل لدينا سياسة لغوية؟
أما الباحث في اللسانيات، فؤاد بوعلي، فقد اعتبر أن القضية ليست قضية لغة، منبها إلى أن المشكل في الخطاب الإعلامي، وتساءل: هل نمتلك لغة إعلامية يمكن أن توجه للمتلقي المغربي؟ وما الذي نريده من الإعلام؟ مشيرا إلى أن من وظائف الإعلام التوعية والتثقيف، وإذا أردنا أن يؤدي هذا الإعلام دور التثقيف فهناك لغة يمكن أن نخاطب بها المتلقي، في إشارة للعربية.
وأضاف بوعلي إلى أن هناك مجلة كانت تصدر قبل سنوات، راهنت على مخاطبة المتلقي بالدارجة وفشلت، “لأن الخطاب الرسمي لا يمكن أن يقدم إلا بالفصحى”، واصفا الدارجة بأنها “بنت اللغة العربية”، وشدد على أنه لا يمكن أن نتصور أن نجعل من المدرسة والمؤسسات مثلها مثل الشارع”.
وتساءل بوعلي: “هل لدينا سياسة لغوية وتخطيط لغوي يجعلنا ننهض بوضع العربية واللغات الأخرى؟”، قائلا إن جميع الدول تعرف تعددية لغوية، داعيا إلى ضرورة أن تعطي لكل لغة وظائفها واستعمالاتها، وأشار نقلا عن تقارير دولية إلى أن “شعوب المنطقة لا يمكنها أن تدخل مجتمع المعرفة إلا باللغة العربية”، كما أن “التوصيف العرضي للإشكال يعطينا حلولا خطأ”.
وخلص إلى أن الإشكال هو إشكال إعلام، خصوصا الإعلام العمومي، “لم نحدد ماذا نريد من الإعلام، هل تثقيف المجتمع أو ممارسة التبخيس، كما أن الإعلام تخلت عنه الدولة وأصبح عرضة لسيطرة مراكز النفوذ”، مضيفا أن “اللغة الوحيدة التي يمكن أن ترتقي بالإعلام بالمغرب هي اللغة الهادفة”، معتبرا أن التذرع بأن المغاربة لا يفهمون العربية لا يستقيم.
وانتقد بوعلي ما اعتبره “تبسيطا وإسفافا” في اللغة والخطاب، كما استهجن احتفاء المراكز اللغوية الفرنسية بالدارجة المغربية، وأضاف أن السينما الغربية تكرس صورا نمطية حول اللغة العربية، من قبيل تقديم هذه اللغة على أنها لغة إرهاب، “بحيث يظهر الإرهابي وهو يتحدث بها”.
المصدر:
العمق