آخر الأخبار

غياب الحكومة يشعل مواجهة قانونية بالبرلمان.. المعارضة ترفض الاستخفاف والأغلبية تتحصن بـ”الدستورية”

شارك

تحولت جلسة عمومية خصصت لدراسة مقترحات القوانين بمجلس النواب، صباح الثلاثاءـ إلى نقاش دستوري وسياسي حاد، في ظل غياب الحكومة عن أشغالها، وهو ما فجّر تبايناً واضحاً في مواقف مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن مدى دستورية انعقاد الجلسة وحدود إلزامية حضور السلطة التنفيذية خلال مناقشة المبادرات التشريعية البرلمانية.

واعتبرت مكونات المعارضة أن غياب الحكومة يمسّ بمكانة المؤسسة التشريعية ويعكس استخفافاً بأدوارها الدستورية، في حين تمسكت أطراف من الأغلبية بكون حضور الحكومة يظل اختيارياً استناداً إلى قرار المحكمة الدستورية، معتبرة أن الجلسة قائمة دستورياً ولا يشوبها أي خلل قانوني.

“إخلال دستوري واستهزاء بالبرلمان”

وفي هذا السياق، أثار رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بووانو، إشكالاً دستورياً حول شروط انعقاد الجلسة، متسائلاً عن مدى دستوريتها في ظل غياب أحد مكوناتها الأساسية، والمتمثل في الحكومة، مؤكداً أن العمل البرلماني يتم داخل مؤسسة دستورية تجعل من المعارضة جزءاً منها، وأن انعقاد أي جلسة يقتضي توافر أركانها، وفي مقدمتها حضور النواب بمكونيهم الأغلبية والمعارضة، إلى جانب حضور الحكومة باعتبارها طرفاً أساسياً في العملية التشريعية.

وأوضح أن الإشكال لا يتعلق بمضمون تفاعل الحكومة أو مواقفها من مقترحات القوانين، بل بحضورها من حيث المبدأ، مبرزاً أن قرار المحكمة الدستورية حين تطرق إلى مناقشة مقترحات القوانين في اللجان ركز على مسألة الحضور داخل هذه الأخيرة، بينما تظل الجلسة العامة مجالاً يكتسي فيه حضور الحكومة أهمية لضمان الطابع الدستوري للاجتماع.

وأضاف أن هناك تقارير ومؤسسات لا ترتبط بالحكومة بشكل مباشر، ومع ذلك يظل حضورها ضرورياً لاستكمال شروط الانعقاد، معتبراً أن غيابها في هذه الحالة غير مبرر، ويشكل، بحسب تعبيره، استهزاءً بالمؤسسة التشريعية وبالدستور.

كما عاد بووانو للتأكيد على أن قراءة قرار المحكمة الدستورية بشكل جزئي لا تعكس روحه العامة، مبرزاً أن النص ذاته يربط حضور الحكومة بمبدأ التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما يجعل غيابها يطرح إشكالاً على مستوى هذا المبدأ، خاصة في ظل سوابق كانت تحضر فيها الحكومة وتساهم في إعطاء قيمة أكبر للنقاش البرلماني.

استخفاف بالمؤسسة التشريعية

إلى ذلك، وصف رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، عبد الرحيم شهيد، المشهد داخل الجلسة بغير المألوف، معتبراً أن البرلمانيين وجدوا أنفسهم يناقشون مقترحات قوانين مرتبطة بقطاعات حكومية في غياب ممثلي هذه القطاعات، وهو ما يقلل من جدوى النقاش، خاصة في ظل غياب الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان، التي تضطلع بدور تنسيقي أساسي، معتبراً أن هذا الغياب يعكس عدم تقدير كافٍ لأشغال المؤسسة التشريعية.

من جهته، انتقد عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، إدريس الشطيبي، ما اعتبره توجهاً للدفاع عن الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، معتبراً أن ذلك يمسّ بمكانة البرلمان ويؤدي إلى تبخيس دوره الدستوري، ومحذراً من خطورة هذا المنحى على توازن المؤسسات، مؤكدا أن البرلمان، باعتباره مؤسسة دستورية متقدمة في ترتيبها، يستوجب الدفاع عن مكانته من قبل جميع مكوناته، أغلبية ومعارضة، مبرزاً أن الحكومة هي الجهة المعنية بتبرير مواقفها، وليس النواب.

كما أثار مسألة محدودية تجاوب الحكومة مع مقترحات القوانين، مشيراً إلى أن مئات المقترحات المحالة عليها لا تحظى إلا بتفاعل ضئيل، في حين يتم رفض عدد منها حتى بعد برمجته، معتبراً أن هذا الوضع يفرغ المبادرة التشريعية البرلمانية من مضمونها ويطرح تساؤلات حول جدوى المسطرة برمتها.

من جانبه، اعتبر عضو الفريق الاشتراكي سعيد بعزيز أن المسألة تتجاوز البعد القانوني إلى بعد أخلاقي وسياسي، مشيراً إلى أن الحكومة، رغم حديثها عن تعزيز الثقة في المؤسسات، لا تجسد ذلك عملياً في مثل هذه المحطات، مؤكداً أن حضورها يشكل تعبيراً عن الإنصات لانشغالات المواطنين، وأن غيابها يمثل إخلالاً بهذا الالتزام ويعكس استخفافاً بالعمل البرلماني.

بدوره، أوضح رئيس الفريق الحركي، إدريس السنتيسي، أن قرار المحكمة الدستورية لا يتضمن أي مقتضى يمنع حضور الحكومة أو يحرم أعضاءها من المشاركة في أشغال البرلمان، بل يقر بطابع الاختيار في هذا الحضور، مؤكداً أن هذا لا ينفي إمكانية حضورها داخل الجلسات العامة، وهو الموقف الذي تمسك به، معتبراً أن النقاش ينبغي أن يظل في إطاره القانوني دون تحميل النصوص ما لا تحتمل.

وشدد السنتيسي على أن موقفه لا ينطوي على القول بإلزامية حضور الحكومة أو ترتيب جزاءات على غيابها، وإنما يقتصر على التأكيد بأن لا شيء يمنع هذا الحضور، معتبراً أن تغيّبها في هذا السياق قد يُفهم كنوع من الاستخفاف بالعمل البرلماني، في حين يظل حضورها أمراً مستحباً.

من جانبها، اعتبرت النائبة البرلمانية فاطمة التامني أن غياب الحكومة، حتى على فرض اختيارية حضورها، يعكس عدم احترام للمؤسسة التشريعية وتقليلاً من دورها، مشددة على أن السلطة التشريعية تضطلع بأدوار مركزية في التشريع وتدبير الشأن العام. وأضافت أن الحكومة، في حال تعلق الأمر بمقترحات قوانين تهم توجهاتها، تحرص على الحضور لضمان تمريرها، وهو ما يجعل غيابها في هذه الحالة دالاً على تعامل انتقائي مع المؤسسة.

قرار المحكمة الدستورية واختيار الحكومة

في المقابل، دافع رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، ياسين عكاشة، عن طرح الأغلبية، مؤكداً أن قرار المحكمة الدستورية الصادر في 4 غشت 2025 حسم بشكل واضح في مسألة حضور الحكومة، حيث اعتبره أمراً اختيارياً سواء داخل اللجان أو خلال الجلسات العامة المخصصة لدراسة أو التصويت على مقترحات القوانين.

وأبرز أن النقاش الدائر ينبغي أن يُستثمر لتطوير الممارسة البرلمانية، دون الانجرار إلى تأويلات وصفها بغير الدقيقة، مشيراً إلى أن القرار المشار إليه، ولا سيما في شقه المتعلق بالمادة 187 من النظام الداخلي، ينص صراحة على اختيارية الحضور، سواء في اللجان أو في الجلسة العامة، معتبراً أن دستورية الجلسة غير مرتبطة بحضور الحكومة من عدمه.

وفي السياق ذاته، دعت النائبة زينة شاهيم، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى احترام مقتضيات النظام الداخلي، خاصة ما يتعلق بنقط النظام، مشيرة إلى ضرورة تفادي تحويلها إلى وسيلة للتعقيب على مداخلات النواب، مشددة على أهمية الإنصات المتبادل داخل المؤسسة، واعتبار النقاش فرصة للتوضيح وتبادل وجهات النظر، بما يساهم في تعزيز صورة البرلمان واحترامه.

استقلالية العمل البرلماني

من جهته، اعتبر رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، أن حضور الحكومة أثناء مناقشة مقترحات القوانين قد يُفهم كتدخل في عمل البرلمان، الذي يظل صاحب الاختصاص الحصري في التشريع، مؤكداً أن المؤسسة التشريعية تمارس صلاحياتها بشكل مستقل، ولا يتعين انتظار تدخل الحكومة في هذا المجال.

بدوره، اعتبر هشام المهاجري، عضو فريق الأصالة والمعاصرة، أن النقاش القائم يعكس اختلافاً في القراءات السياسية، رغم أنه يظل نقاشاً صحياً، موضحاً أن الإطار المرجعي للعمل البرلماني يحدده الدستور والنظام الداخلي والقانون التنظيمي لأشغال الحكومة، مشيرا إلى أن الحكومة تظل ملزمة باتخاذ موقف من مقترحات القوانين وإبلاغه إلى البرلمان، غير أن حضورها داخل الجلسة العامة يظل محل نقاش.

وأبرز أن غيابها قد يُفهم، من زاوية معينة، كتكريس لاستقلالية المؤسسة التشريعية، خاصة وأن الحكومة تكون قد حددت موقفها مسبقاً ووجهته إلى أغلبيتها، معتبراً أن قرار المحكمة الدستورية في هذا الصدد واضح ولا يترك مجالاً كبيراً للتأويل.

ودعا أحد النواب إلى استكمال أشغال الجلسة، معتبراً أن إثارة مسألة دستوريتها في منتصف النقاش لا يخدم سير العمل، خاصة وأن الجلسة انطلقت وفق المساطر المعمول بها، مشيراً إلى أن النقاش حول حضور الحكومة سبق أن طُرح داخل اللجان وتم تعديله في النظام الداخلي قبل أن تحسم فيه المحكمة الدستورية بإقرار الطابع الاختياري، واقترح أن يُحال هذا النقاش مستقبلاً على ندوة الرؤساء بحضور الحكومة، من أجل تدقيق المواقف واتخاذ قرارات توافقية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا