في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد الكاتب المغربي ياسين عدنان أن التحولات التي يشهدها النشر في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على تغيير الوسيط من الورق إلى الشاشة، بل امتدت لتشمل بنية الكتابة ذاتها وإيقاعها الداخلي، مشيرا إلى أن هذه التحولات تفرض أسئلة جديدة على المشتغلين في مجال الأدب.
وأوضح عدنان في ندوة حول تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي، أن الانتقال إلى الفضاء الافتراضي أثّر بشكل واضح على أسلوب الكتابة، حيث أصبحت الجمل أقصر واللغة أكثر مباشرة، مع تزايد الاهتمام بجاذبية العناوين أحيانا على حساب عمق المضمون، مضيفا أن هذا الإيقاع الجديد يرتبط بتأثير الصحافة الرقمية و”صحافة المواطن”، التي أتاحت لكل فرد إمكانية النشر والتعبير.
وسجل المتحدث ذاته ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب بالرباط، أن هذا التحول يحمل جوانب إيجابية، من بينها التخلص من الحشو والإطناب، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى نوع من السطحية وفقدان العمق، خاصة في ظل تسارع التفاعل مع الأحداث دون منح الوقت الكافي للفهم والتحليل.
كما أشار إلى أن الكتابة الأدبية الكلاسيكية كانت تقوم على مسافة زمنية فاصلة بين الحدث ومعالجته إبداعياً، غير أن الفضاء الرقمي اليوم يدفع الكُتّاب إلى ملاحقة الحدث بشكل متسارع، ما يهدد أحيانا وظيفة الكتابة التأملية.
وأكد عدنان أن هذه التحولات أفرزت ظاهرة “الهجنة” في النصوص، حيث تداخلت الأجناس الأدبية، ولم تعد الحدود بينها واضحة، ما أتاح ظهور أشكال جديدة مثل الرواية التفاعلية وأدب التدوين، مستشهدا بتجربته في كتاب “مدائن معلقة” وروايته Hot Maroc، التي وظف فيها الفضاء الرقمي داخل البناء السردي.
في المقابل، أكد الكاتب والصحفي طلحة جبريل أن العلاقة بين الصحافة والأدب علاقة تكامل لا تعارض، مشيرا إلى أن كليهما يلتقيان عند السرد، حيث يحتاج الصحفي إلى أدوات أدبية لتقريب الخبر من القارئ، في حين يستفيد الأديب من سرعة النشر للوصول إلى جمهور أوسع.
وأوضح جبريل أن الكاتب المعاصر يعيش حالة من الازدواجية، إذ يجمع بين ملاحقة الخبر بصفته صحفيا، والبحث عن المعنى بصفته أديبا، معتبرا أن هذه الازدواجية تمثل تحديا وفرصة في الآن ذاته.
وشدد على أن العصر الرقمي لا ينبغي النظر إليه كعبء، بل كفرصة لتجديد أدوات الكتابة، لافتاً إلى أن التقاء الصحافة بالأدب بوعي يمكن أن يفضي إلى نصوص أكثر ثراء وقربا من الإنسان.
وحذر جبريل من مخاطر الانزلاق نحو السطحية في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن الكتابة اليوم تتطلب نقدا يقظا وإبداعا حيا، حتى لا تتحول إلى مجرد صدى، بل إلى صوت يضيف معنى في زمن يزدحم بالضجيج.
وشبّه العصر الرقمي بنهر جارِف يحمل الأخبار والقصائد والصور والذكريات، إلى جانب الحقائق والأوهام، موضحا أن الصحفي والأديب يقفان معا في هذا التيار؛ أحدهما يبحث عن الحقيقة، والآخر يفتش عن المعنى، فيما تمنح الصحافة الدقة ويمنح الأدب العمق.
وأضاف أن الكتابة أصبحت فعلا مقاوما للتبسيط المفرط والاستسلام لسطحية اللحظة، مشددا على أن مسؤولية الكاتب تكمن في جعل العالم أكثر إنسانية وقدرة على الإصغاء للحقيقة والجمال.
وشدد طلحة جبريل على أن “الصحفي هو مؤرخ اللحظة”، مشيرا إلى تجربته في كتابة السير الذاتية، من بينها كتاب “على الدرب مع الطيب صالح” و”محمد شكري.. جرأة الحياة”، اللذان يوثقان لمسارات أدبية بارزة في العالم العربي.
المصدر:
العمق