شكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية أحد أبرز الإصلاحات الهيكلية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، خاصة في العالم القروي الذي يضم شريحة واسعة من صغار الفلاحين.، حيث يدخل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية ضمن أولويات إستراتيجية الجيل الأخضر 2020- 2030 الذي تعتبر العنصر البشري من دعاماتها الرئيسية.
ويأتي هذا الورش في سياق يتسم بتحديات متراكمة، من بينها توالي سنوات الجفاف، وارتفاع كلفة الإنتاج، وهشاشة سلاسل التسويق، ما يجعل الفلاح الصغير أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في النشاط الفلاحي أو البحث عن بدائل اقتصادية خارج المجال القروي، كما أن خصوصية النسيج الفلاحي الوطني، القائم في جزء كبير منه على الاستغلاليات العائلية الصغيرة والمتوسطة، تفرض مقاربة دقيقة عند تنزيل أي إصلاح اجتماعي، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة العمل الفلاحي غير المنتظم، وضعف المداخيل، وتداخل الأدوار داخل الأسرة القروية.
وفي هذا الإطار، شكل إدماج الفلاحين في منظومة الحماية الاجتماعية خطوة نحو توسيع الاستفادة من التغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية، عبر آليات من قبيل التأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، والسجل الاجتماعي الموحد، غير أن تحقيق الأثر المنشود يظل رهينا بمدى قدرة هذه الآليات على التكيف مع خصوصيات العالم القروي، وضمان وصول فعلي إلى الفلاحين الصغار، في ظل إكراهات مرتبطة بالبنيات التحتية، وضعف المعطيات الإحصائية، وتعدد الفاعلين والمتدخلين في القطاع.
في قراءة لواقع إدماج الفلاحين في ورش الحماية الاجتماعية، تبرز إشكالية مركزية تتعلق بموقع اليد العاملة داخل السياسات الفلاحية، حيث ظل التركيز موجها، خلال سنوات طويلة، نحو الاستثمار ورفع الإنتاجية، دون مواكبة كافية للعنصر البشري، حيث يطرح هذا المعطى تحديات حقيقية أمام أي محاولة لإدماج الفلاحين الصغار في منظومة اجتماعية منظمة، خاصة في ظل غياب رؤية دقيقة لحجم هذه الفئة وخصائصها.
وفي هذا الصدد، اعتبر محمد الطاهر السرايري، الأستاذ الباحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، أن تقييم إدماج الفلاحين، خاصة الصغار منهم، في ورش الحماية الاجتماعية يظل “سؤالا عريضا جدا”، موضحا أن “اليد العاملة في الفلاحة تطرح مشكلا كبيرا”.
وأضاف السرايري، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المغرب “يجني اليوم ما زرعه خلال السنوات الماضية، حيث تم إعطاء الأهمية القصوى لرأس المال والاستثمارات في إطار الاستراتيجيات الفلاحية، لا سيما مخطط المغرب الأخضر، ما أدى إلى ارتفاع الإنتاج، خاصة في الضيعات الكبرى، مقابل إغفال المورد البشري رغم كونه أساس العملية الإنتاجية”.
يطرح غياب الإحصائيات الدقيقة والمحيّنة تحديا أساسيا أمام تقييم فعالية الحماية الاجتماعية في الوسط القروي، حيث يصعب تحديد عدد المستفيدين الفعليين أو قياس أثر البرامج الاجتماعية على الفلاحين الصغار، كما أن تعدد أنماط الاستغلاليات الفلاحية، بين ضيعات كبرى وأخرى عائلية، يزيد من تعقيد عملية الاستهداف ويجعل من الصعب اعتماد مقاربة موحدة، فحسب آخر إحصائيات سنة 2022 يستفيد 1.6 مليون فلاح من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وفي هذا السياق، أوضح محمد الطاهر السرايري أن عدد العاملين في القطاع الفلاحي يناهز حوالي 4 ملايين شخص، معتبرا أن هذه الأرقام “تبقى تقريبية في ظل غياب إحصائيات دقيقة”، ومبرزا أن “الأغلبية الساحقة من الوحدات الفلاحية هي ضيعات عائلية يشتغل فيها أفراد الأسرة أنفسهم، من الأب والأم والأبناء، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول من يستفيد فعليا من التغطية الاجتماعية”. وأضاف أن هذه الفئة “في الغالب لا تتوفر على أي تغطية صحية أو اجتماعية، ولا على نظام تقاعدي، رغم أن الأمر يتعلق بملايين الأشخاص”.
ووأبرز المتحدث ذاته أن تجربة تنزيل الحماية الاجتماعية في العالم القروي تُظهر وجود اختلالات مرتبطة بضعف التنسيق بين مختلف البرامج الاجتماعية، ما يؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة التي تجد نفسها أمام خيارات صعبة بين الاستفادة من دعم معين أو الولوج إلى نظام اجتماعي آخر.
وأشار السرايري إلى أن “بعض الفلاحين يستفيدون من الدعم الاجتماعي المباشر باعتبارهم ضمن الفئات الهشة، لكنهم يتخوفون من فقدانه في حال الإنخراط في التغطية الصحية أو أنظمة أخرى، بسبب تغير مؤشرات الاستحقاق”، مضيفا أن هذه الوضعية “تعكس غياب التقائية السياسات العمومية”، كما تطرح تساؤلات حول “مدى شفافية ودقة المؤشرات المعتمدة، خاصة في ظل ما يصل من معطيات ميدانية”.
تفرض طبيعة العمل الفلاحي، بما تتسم به من موسمية وعدم انتظام، تحديات خاصة أمام تنزيل قوانين الحماية الاجتماعية، التي صُممت في الأصل لقطاعات أكثر استقرارا. ويزداد هذا التعقيد في بعض الأنشطة التي تتطلب إيقاع عمل خاص، ما يجعل ملاءمة القوانين الحالية مع الواقع الفلاحي مسألة تحتاج إلى مراجعة.
وفي هذا السياق، أوضح السرايري أن “العمل الفلاحي ليس عملا قارا، بل يرتبط بالمواسم، كما أن بعض الأنشطة، مثل تربية الأبقار الحلوب، تفرض ساعات عمل طويلة تمتد من الصباح الباكر إلى الليل”، مضيفا أن “هذا الواقع يجعل من الصعب احترام الإطار القانوني لعدد ساعات العمل، ويطرح إشكالات حتى بالنسبة للمشغلين الذين يرغبون في التصريح بالعمال، لكنهم يصطدمون بخصوصيات النشاط الفلاحي”.
وأقر المتحدث ذاته أنه على الرغم من أهمية الحماية الاجتماعية في تحسين الظروف المعيشية للفلاحين، إلا أن تأثيرها على الحد من الهجرة القروية يظل محدودا في ظل عوامل أعمق مرتبطة بجاذبية العالم القروي وتوفر فرص الشغل، فالهجرة ليست فقط نتيجة الهشاشة الاجتماعية، بل أيضا تعبير عن تحولات في تطلعات الأجيال الجديدة، وفق تعبيره.
وأكد السرايري أن “الجواب عن مدى قدرة الحماية الاجتماعية على الحد من الهجرة القروية لا يمكن أن يكون بنعم أو لا”، موضحا أن “الأجيال الصاعدة ترفض العمل في الفلاحة، سواء في المغرب أو في دول أخرى، بسبب صعوبة ظروف العمل”، وأضاف أن “سنوات الجفاف الأخيرة أدت إلى فقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل في العالم القروي، ما يدفع الشباب إلى الهجرة نحو المدن دون نية للعودة”.
تطرح التحديات الراهنة التي يواجهها القطاع الفلاحي، في ظل التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية، ضرورة إعادة التفكير في نموذج التنمية القروية، بما يتجاوز المقاربة الفلاحية الضيقة نحو تنويع الأنشطة الاقتصادية وخلق بدائل مستدامة.
وفي هذا السياق، شدد السرايري على أن “الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون حلا كافيا لوحدها”، داعيا إلى “فتح نقاش وطني حول مستقبل الفلاحة والاختيارات الاستراتيجية المرتبطة بها”، ومبرزا أن “استمرار الهجرة القروية قد يؤدي إلى تفريغ العالم القروي من فئاته الشابة”، كما أكد أن “العالم القروي لم يعد بالإمكان اختزاله في الفلاحة فقط، بل يحتاج إلى تنمية بشرية واقتصادية متنوعة، خاصة في ظل تراجع الموارد المائية واستمرار الجفاف”.
استعرض المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقرير له السنة الماضية، النقائص التي تقلص من فعالية التأمين الفلاحي والتغطية الصحية الموجهة للفلاحين العائليين، حيث أشار إلى محدودية نطاق التأمين الفلاحي الذي لا يشمل جميع الزراعات والعوائق التي ما تزال تحد من الولوج الفعلي للفلاحين الصغار والمتوسطين للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وأشار المجلس إلى أن نظام التعويض المعتمد في التأمين الفلاحي يرتكز على مبدأ منح تعويـض بنـاء علـى متوسـط الإنتـاج المسجل بالجماعة المتضررة غير أن هذا الأمر لا يعكس، وفق المصدر ذاته، دائما ظـروف الفلاحين وأوضاعهـم، لاسيما الصغار منهم، مسجلا نقص المعلومات والتحفيزات، خاصـة بالنسـبة للفلاحيـن العائليين الصغار والمتوسطين فـي المناطق القروية الأكثر خصاصا، مشددا على أن القطاع الفلاحي بالمغرب يواجه مخاطر كبرى، منها ما يتعلق بالتغيرات المناخية والأمراض الصحية وتقلبات أسعار السـوق.
وسجل التقرير أن آليـة التعويض لا يتـم تفعيلها إلاَّ عندمـا يتـم تصنيـف الجماعـة المتضـررة منطقـة منكوبـة مــن قبــل القطــاع الحكومـي المكلــف بالفلاحــة، مبرزا أن ورش الحماية الاجتماعية للفلاحين الصغار والمتوسطينيعد رهانا كبيرا بالنسبة للتنمية القروية ومحاربة مظاهر الهشاشة”، غير أن السجل الفلاحي الوطني، الذي تم إحداثه بموجب القانون رقم 80.21 الصادر في 24 ماي 2022، لا يراعي، وفق المصدر ذاته، تنوع خصائص الفلاحين والطابع المعقد للعقار ولبنية الأسر، وكذا الأنشطة القروية الأخرى الموازية للأنشطة الفلاحية.
المصدر:
العمق