أعادت أحداث الشغب التي رافقت مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، وما تلاها من توقيفات وإحالة عشرات المشتبه فيهم على النيابة العامة، إلى واجهة النقاش العمومي إشكالية العنف في الملاعب المغربية، في مشهد يتكرر بوتيرة مقلقة رغم المقاربات الأمنية والزجرية المعتمدة.
وفي قراءة تحليلية لهذه الظاهرة، يرى رضوان اعميمي، رئيس المركز المغربي ريادة للدراسات والأبحاث في العلوم القانونية والقضائية، أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة أو فرجة، بل تحولت إلى “واجهة لصورة البلد وأداة لتسويق قيم التنظيم والانضباط”، وهو ما يجعل من انفلات العنف داخلها مؤشرا مقلقا على اختلالات أعمق.
ويؤكد المتحدث في مقال تحليلي ، أن المقاربة القانونية، رغم ضرورتها في حماية الأشخاص والممتلكات وترتيب المسؤوليات، “غير كافية لوحدها”، محذرا من أن الاقتصار على الزجر قد يحول دون فهم الجذور الحقيقية للظاهرة، التي تتجاوز مجرد انحرافات فردية معزولة.
وبحسب أعميمي، فإن الشغب الكروي يعكس في كثير من الأحيان “خللا في التنشئة وضعفا في تمثل معنى الفضاء العام”، حيث لا ينظر إلى الملعب كمرفق عمومي مشترك، بل كفضاء مباح لتفريغ الغضب والإحباط.
ويبرز في هذا السياق ما يسميه بـ”أزمة ثقافة المرفق العمومي”، حين يتحول الاعتداء على تجهيزات الملاعب إلى سلوك عادي لدى بعض الفئات، في غياب وعي جماعي بأن هذه الممتلكات ممولة من المال العام وتخدم الجميع.
ويربط الأستاذ الجامعي أن هذه السلوكات بسياق اجتماعي أوسع، حيث يجد بعض الشباب في الفضاءات الجماهيرية متنفسا للتعبير عن الإحباط أو التهميش أو انسداد الأفق، ما يجعل من المدرجات “مرآة مكبرة لاختلالات الأسرة والمدرسة والحي ومؤسسات التأطير”.
غير أن هذا الفهم، يضيف أعميمي، لا يبرر العنف ولا يمنحه أي شرعية، بل يدعو إلى تفكيك أسبابه بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجه.
ولا يعفي هذا التشخيص الأندية من مسؤوليتها، إذ يشدد المتحدث على أن الجمهور “ليس كتلة عفوية فقط، بل مجال يحتاج إلى تأطير وتواصل مستمر”، منتقدا ما اعتبره استفادة بعض الأندية من الجماهير كقوة دعم وتسويق، دون الاستثمار في تأطيرها تربوياً.
كما دعا وسائل الإعلام إلى تبني معالجة مسؤولة، تقوم على التمييز بين أغلبية جماهيرية سليمة وأقلية منحرفة، وتبتعد عن تضخيم مشاهد العنف أو اختزال الظاهرة في توصيفات سطحية.
وتأتي هذه القراءة في سياق قرارات تأديبية أصدرتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى جانب تحريك المتابعات القضائية ضد المتورطين، وهو ما يعكس توجها نحو تشديد الردع.
غير أن أعميمي يؤكد أن الحل يمر عبر “مقاربة مركبة” لا تقتصر على الأمن والقانون، بل تشمل أبعادا تربوية وسوسيولوجية ومؤسساتية، لإعادة بناء علاقة الشباب بالفضاء العام وتعزيز ثقافة المواطنة.
ويخلص الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن ما يقع في الملاعب ليس مجرد حادث عرضي، بل اختبار حقيقي لعلاقة المجتمع بالمشترك، معتبرا أن “المواطنة لا تقاس في لحظات الخطاب، بل تختبر في لحظة الغضب”.
المصدر:
العمق