آخر الأخبار

القروض الفلاحية.. رافعة أساسية للإنتاج عالقة في شبكة الضمانات والمساطر

شارك

في ظل التحديات المتزايدة التي يعرفها القطاع الفلاحي بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بتربية الماشية، يبرز التمويل الفلاحي كرافعة أساسية لضمان استمرارية الإنتاج وإعادة التوازن إلى سلاسل اللحوم الحمراء، في سياق موسوم بتداعيات الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف، فبين الجهود المبذولة لتوسيع الولوج إلى القروض، يظل هذا الورش محاطاً بإكراهات ميدانية تعكس فجوة بين الإمكانيات المتاحة وشروط الاستفادة الفعلية لدى فئة واسعة من مربي الماشية.

ويشتكي عدد من الفلاحين من تعقيد المساطر الإدارية المطلوبة للحصول على القروض، حيث تتطلب الملفات وثائق متعددة، من بينها إثبات الملكية أو الاستغلال، وضمانات بنكية، وهو ما يصعب على فئة واسعة من الفلاحين الذين يشتغلون في أراضٍ غير محفظة أو في إطار الاستغلال العائلي من الحصول على التمويلات، كما أن محدودية الثقافة المالية لدى بعض الفلاحين تزيد من تعقيد الولوج إلى هذه القروض، في ظل غياب مواكبة كافية لتبسيط الإجراءات وشرح شروط الاستفادة.

تمويل متعدد المستويات… لكن بشروط

وفي هذا الإطار، يقدم مصطفى خولي، مربي عجول ورئيس الجمعية الوطنية لمنتجي اللحوم الحمراء، قراءة واقيعة لطبيعة هذه التمويلات وحدودها، حيث أوضح أن منظومة القروض الفلاحية بالمغرب تتوزع بين تمويلات صغرى وأخرى كبرى، حيث تتراوح القروض الصغيرة، بين 10 آلاف و100 ألف درهم، بينما قد تصل التمويلات الكبرى الموجهة للاستغلاليات الكبيرة إلى ملايين الدراهم، وفق طبيعة المشروع وحجمه.

وأشار خولي، في تصريح لجريدة “العمق” إلى وجود مبادرات تمويلية حديثة عبر بعض الوكالات التي تمنح قروضاً قد تصل إلى 150 ألف درهم، غير أن هذه الإمكانيات، يضيف خولي، تظل مرتبطة بإعداد ملفات متكاملة ومدروسة بعناية، مؤكداً أن القروض تُمنح بناءً على برامج محددة ورؤية واضحة للمشروع، وليس بشكل عشوائي.

الولوج إلى التمويل… منطق الشروط لا الاستثناء

تبرز إشكالية الضمانات كأحد أبرز العراقيل للحصول على التمويلات، إذ تعتمد المؤسسات المالية في الغالب على ضمانات عينية أو شخصية، ما يقصي الفلاحين الصغار الذين لا يتوفرون على أصول كافية لتقديمها، وفي هذا الإطار، تم إحداث آليات دعم وضمان من طرف صندوق الضمان المركزي، الذي تحول لاحقا إلى تمويلكم، بهدف تقليص مخاطر القروض وتشجيع البنوك على تمويل الفلاحين، غير أن أثر هذه الآليات لا يزال محدودا في بعض المناطق.

وفي هذا الصدد، يشدد خولي على أن الولوج إلى القروض الفلاحية لا يخضع للصدفة، بل لمنطق الشروط الموضوعية، مبرزاً أن الفلاح الذي يتوفر على الضمانات والمؤهلات اللازمة يمكنه الحصول على التمويل، بينما يُقصى من لا يستجيب لهذه المعايير. وتشمل هذه الشروط، بحسبه، امتلاك أرض أو توفر نشاط فلاحي مستقر، مع إمكانية وجود حركية مالية على مستوى الحساب البنكي.

وفي هذا السياق، يلفت إلى أن المؤسسات البنكية لا يمكنها منح قروض لأشخاص لا تتناسب مداخيلهم مع قيمة التمويل المطلوب، معتبراً أن طلب قرض بقيمة 100 ألف درهم من طرف شخص لا يتجاوز دخله الشهري 10 آلاف درهم يظل غير منطقي من منظور بنكي.

ويرد خولي على الانتقادات التي تتهم المؤسسات المالية بتفضيل التجار على حساب الفلاحين، مؤكداً أن التمويل يُمنح لكل من يستوفي الشروط، بغض النظر عن صفته، وأوضح أن القرض الفلاحي يمول مختلف الأنشطة، سواء تعلق الأمر بتسمين الماشية أو الزراعات المختلفة، بل واعتمد صيغاً تمويلية حديثة تواكب تطور الاستثمار الفلاحي.

ويرى خولي أن التمويل يمكن أن يشكل أداة فعالة لإعادة تكوين القطيع الوطني، لكنه يظل مشروطاً بوجود مشاريع مدروسة بشكل دقيق، مؤكدا أن إطلاق مشاريع دون دراسة مسبقة يرفع من احتمالات الفشل، داعياً إلى اعتماد مقاربة تقوم على تقليص المخاطر إلى أدنى حد ممكن.

كما أبرز أن التغيرات المناخية، وعلى رأسها الجفاف، تفرض على مربي الماشية التفكير في تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في الأعلاف، من خلال زراعة الذرة والفصة، بدل الاعتماد الكلي على السوق، مشدداً على أن توفر مساحة كافية من الأراضي يعد شرطاً أساسياً لإنجاح هذا النوع من المشاريع.

وفي سياق متصل، أوضح أن اعتماد خبراء لتقييم الضيعات قبل منح القروض يهدف إلى تفادي فشل المشاريع وما يترتب عنه من إفلاس أو متابعات قضائية، معتبراً أن منح التمويل دون دراسة دقيقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالفلاح والمؤسسة المالية على حد سواء.

تبسيط المساطر… بين السرعة والصرامة

يشكل ارتفاع معدلات الفائدة، مقارنة بقدرة الفلاحين على السداد، عائقا إضافيا، خاصة في ظل عدم استقرار المداخيل المرتبطة بالعوامل المناخية والسوقية. فالفلاح، خصوصا في مجال تربية الماشية، يظل عرضة لتقلبات أسعار الأعلاف واللحوم، ما يجعل من الصعب توقع العائدات وضمان تسديد القروض في آجالها.

وبخصوص مطالب تبسيط المساطر، يميز خولي بين تسريع معالجة الملفات وتخفيف الشروط، حيث يدعو إلى تقليص آجال دراسة الطلبات إلى حدود 48 ساعة، مع تقديم رد واضح، لكنه يرفض في المقابل منح القروض دون ضمانات، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى إغراق المستفيدين في الديون.

وفي المقابل، يدعو إلى مواكبة الفلاحين الذين أثبتوا نجاحهم، عبر تمكينهم من توسيع مشاريعهم تدريجياً، سواء من خلال زيادة القطيع أو اقتناء معدات جديدة، مبرزا أهمية إدماج التأمين الفلاحي ضمن منظومة التمويل، معتبراً أنه يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تغطية المخاطر المرتبطة بالجفاف والأزمات، شريطة أن يتم ذلك بناءً على دراسات دقيقة، على غرار ما هو معمول به في تمويل المقاولات.

ويخلص خولي إلى أن التمويل الفلاحي لا يمكن اعتباره غاية بحد ذاته، بل وسيلة مرتبطة بقدرة الفلاح على إنجاح مشروعه، مشبهاً منح قرض لشخص غير مؤهل بمنح سيارة لشخص لا يعرف القيادة، حيث تكون النتيجة فشلاً محتوماً.

مواكبة الفلاحين المتضررين

يعد القرض الفلاحي للمغرب الفاعل الرئيسي في تمويل الأنشطة الفلاحية، حيث يوفر مجموعة من المنتجات المالية الموجهة للفلاحين، سواء تعلق الأمر بالقروض الموسمية المرتبطة بالدورات الزراعية أو القروض الاستثمارية الموجهة لاقتناء المعدات أو تطوير الضيعات أو دعم تربية الماشية، كما تندرج هذه الجهود ضمن الاستراتيجيات الوطنية، وعلى رأسها الجيل الأخضر، التي تسعى إلى تعزيز الإنتاجية وتحسين دخل الفلاحين، غير أن الاستفادة منها تظل رهينة بشروط دقيقة ترتبط أساساً بالضمانات ودراسة المشاريع

أطلق القرض الفلاحي للمغرب، في فبراير الماضي، منظومة دعم موجهة لفائدة فلاحي وساكنة عدد من مناطق المملكة التي تضررت جراء التقلبات المناخية الأخيرة، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى التخفيف من انعكاسات هذه الظروف على النشاط الفلاحي والاقتصاد المحلي.

وتقوم هذه المنظومة تقوم على مواكبة ميدانية قائمة على سياسة القرب، مع اعتماد مقاربة مرنة تراعي خصوصية كل حالة على حدة، لفائدة الفلاحين وباقي الزبناء، عبر مختلف نقاط البيع التابعة له، سواء ضمن شبكة البنك الكلاسيكي أو من خلال فروعه، بما فيها مؤسسات التمويل والتمويل الأصغر والخدمات البنكية التشاركية.

وارتكزت إجراءات الدعم المعتمدة على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل الإعفاء الفوري من مصاريف تحويل الحوالات لفائدة ساكنة المناطق المتضررة خلال الشهرين المقبلين، إلى جانب إتاحة إمكانية الاستفادة من تسهيلات في الأداء لفائدة زبناء المجموعة المتأثرين، حسب وضعية كل حالة، فضلا عن تعبئة التمويلات الضرورية لتمكين الفلاحين المتضررين من استئناف أنشطتهم في أقرب الآجال الممكنة.

وتهدف هذه التدابير التي اعتمدها القرض الفلاحي للمغرب إلى دعم الاستئناف التدريجي للأنشطة الاقتصادية بالمناطق المعنية، والحفاظ على سلاسل القيم الفلاحية، بما يساهم في صون مداخيل الساكنة المتضررة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي المحلي.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا