قال وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، إن كلفة مخرجات الحوار الاجتماعي بلغت “مستويات غير مسبوقة”، معتبراً أنها تعادل ما أنجزته ثلاث ولايات حكومية سابقة مجتمعة في مجال التدابير الاجتماعية، مؤكداً أن الحكومة انتقلت من منطق “المقايضة” مع النقابات إلى التفاوض المؤطر بمنهجية واضحة تقوم على الاعتراف بالمطالب العادلة وبرمجتها وفق الإمكانيات المتاحة، مبرزا أن الحوار الاجتماعي ساهم في تفادي اندلاع أكثر من 4500 إضراب كان يمكن أن يهم حوالي نصف مليون أجير.
وأوضح السكوري، في الندوة الصحفية الأسبوعية التي تعقب أشغال المجلس الحكومي، الخميس، أن تقييم جولات الحوار الاجتماعي لا يمكن أن يُختزل في سؤال “هل شفي الغليل أم لا”، مشدداً على أن المطالب الاجتماعية بطبيعتها متجددة ولا يمكن أن تنتهي، داعياً إلى تخيل وضعية البلاد لو لم يتم إطلاق جولات الحوار الاجتماعي منذ سنة 2022، حيث أكد أن العديد من المكتسبات الحالية ما كانت لترى النور أو كانت ستخرج في صيغ مختلفة.
وأضاف المسؤول الحكومي أن إطلاق الحوار الاجتماعي منذ فبراير 2022 فرض على الحكومة مجهوداً تنظيمياً ومالياً كبيراً، إذ يتطلب تنسيقاً مستمراً بين مختلف القطاعات الوزارية، حيث يعمل كل وزير على تقييم إمكانياته المالية والتفاعل مع مطالب النقابات، مبرزاً أنه بصفته مكلفاً بتنسيق الحوار الاجتماعي على مستوى القطاعين العام والخاص، فقد تم الاشتغال على برمجة الاستجابة للمطالب بشكل تدريجي بين سنوات 2022 و2025.
وأشار إلى أن مطلب الرفع من الأجور طُرح منذ البداية، غير أن الظرفية لم تسمح بتنفيذه سنة 2022، قبل أن تبدأ التحضيرات سنة 2023 في سياق دولي صعب تميز بتداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ما اضطر الدولة إلى تعبئة موارد مالية مهمة للدعم، مبرزاً أن أول زيادة عامة في الأجور تم إطلاقها سنة 2024 بقيمة 1000 درهم موزعة على شطرين، نُفذ الأول سنة 2024 والثاني سنة 2025.
وأكد السكوري أن الكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات بلغت 49.7 مليار درهم، وهو رقم يعادل مجموع ما أنجزته ثلاث حكومات سابقة في مجال التدابير الاجتماعية، مشيراً إلى أن حوالي 4.25 ملايين شخص استفادوا من هذه الزيادات، منهم 3 ملايين في القطاع الخاص و1.25 مليون في القطاع العام، مضيفاً أن هذه الأخيرة شملت أيضاً تخفيض الضريبة على الدخل لفائدة الطبقة المتوسطة بما يعادل 400 درهم إضافية.
وفي ما يتعلق بالحوار القطاعي، أبرز الوزير أن الحكومة فتحت أوراشاً غير مسبوقة، خاصة في قطاع التعليم الذي وصفه بأنه كان يشكل تحدياً كبيراً للحكومات السابقة، حيث تم تنفيذ إصلاح شامل همّ حوالي 330 ألف موظف وموظفة، شمل زيادات في الأجور تبدأ من 1500 درهم وقد تصل إلى 5000 درهم في نهاية المسار المهني، بكلفة إجمالية بلغت 18.47 مليار درهم.
وكشف أن هذا الإصلاح تطلب معالجة اختلالات بنيوية، من بينها وضعية فئة من المعلمين الذين كانوا خارج التغطية بسبب غياب الدرجة 11، حيث تم إدماج حوالي 85 ألفاً منهم بعد تدخل مباشر على أعلى مستوى، مبرزاً أن الاتفاق تم التوصل إليه في ظرف وجيز بفضل التنسيق بين رئاسة الحكومة ووزارة المالية وباقي المتدخلين.
وأكد أن المنهجية الجديدة في الحوار الاجتماعي تقوم على الاعتراف أولاً بوجود أي حيف، بدل ربط النقاش مباشرة بالإمكانيات المالية، ثم البحث عن حلول سواء بشكل فوري أو عبر برمجة زمنية، معتبراً أن هذا التحول أنهى منطق “المساومة” وكرس تفاوضاً قائماً على الثقة والشفافية، وهو ما شجع النقابات على الانخراط الإيجابي في مختلف الجولات.
وفي قطاع الصحة، أشار السكوري إلى تخصيص 4 مليارات درهم لتحسين وضعية الأطر الصحية، مع زيادات تفوق 3000 درهم للأطباء وما بين 1400 و1600 درهم للممرضين والتقنيين، إضافة إلى ملياري درهم لفائدة التعليم العالي، شملت زيادات بحوالي 3000 درهم للأساتذة الجامعيين، مبرزاً أيضاً فتح ملفات فئات أخرى كالمهندسين والمتصرفين والتقنيين لدراستها بشكل معمق.
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية، أوضح الوزير أن الحكومة عالجت إشكالية حرمان آلاف الأجراء من معاشات التقاعد بسبب عدم استكمال 3240 يوماً من الاشتراك، حيث تم تخفيض الحد الأدنى إلى 1320 يوماً، مع تمكين غير المستوفين لهذا الشرط من استرجاع مساهماتهم ومساهمات مشغليهم، وهو ما استفاد منه أكثر من 80 ألف شخص بأثر رجعي، إضافة إلى رفع المعاشات بنسبة 5 في المائة.
كما شدد على أن إصلاح أنظمة التقاعد يجب أن يراعي الحقوق المكتسبة ويضمن مراجعة دورية للمعاشات لمواكبة كلفة المعيشة، مبرزاً أن المتقاعدين لا يستفيدون من تطور الأجور مثل النشطين، ما يستدعي اعتماد مقاربة منصفة تضمن استدامة النظام وعدالته.
وفيما يخص مناخ الشغل، أفاد السكوري بأن الحوار الاجتماعي ساهم في تفادي اندلاع أكثر من 4500 إضراب كان يمكن أن يهم حوالي نصف مليون أجير، من أصل 330 ألف نزاع تم تسجيلها، مشيراً إلى أن القانون المنظم للإضراب، الذي سيدخل حيز التنفيذ في شتنبر 2025، يتضمن مقتضيات تحمي العمال من أي إجراءات انتقامية من طرف المشغلين، مع فرض غرامات قد تصل إلى 200 ألف درهم في حال خرق هذه الضمانات.
وأكد أن القانون نفسه يفرض على المشغلين الدخول في مفاوضات قبل أي إضراب، وهو ما لم يكن معمولاً به سابقاً، معتبراً أن ذلك يشكل توازناً بين ضمان حق الإضراب وتأطيره، وبين إلزام المشغلين بالحوار.
وسجل المسؤول الحكومي أن حصيلة الحوار الاجتماعي لا تقتصر على الأجور، بل تشمل أيضاً تعميم التغطية الصحية لفائدة حوالي 23 مليون مواطن، وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة 3.9 ملايين أسرة بما يتراوح بين 500 و1350 درهماً، ليستفيد منه نحو 11 مليون شخص، من بينهم 5.7 ملايين طفل.
وشدد على أن هذه البرامج الاجتماعية الكبرى نُفذت وفق توجيهات ملكية وتشكل جزءاً لا يتجزأ من ورش متكامل للحماية الاجتماعية، مضيفاً أن الحكومة تعاملت مع مطالب اجتماعية عمر بعضها أكثر من 30 سنة بمنطق الاستمرارية وتحمل المسؤولية، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية، معتبراً أن الأساس هو مدى عدالة المطالب وليس الجهة التي طرحتها.
المصدر:
العمق