حل نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، اليوم الأربعاء بالمغرب في إطار جولة دبلوماسية إقليمية استهلها بزيارة الجزائر أول أمس الاثنين، في تحرك استراتيجي يكتسي دلالات سياسية بالغة الأهمية لتجاوزه الطابع التقليدي للمباحثات الثنائية ومحاولته الدفع بمسار تسوية النزاعات الإقليمية.
وتزامنت هذه الجولة مع انطلاق الاستعدادات الأممية لإجراء مراجعة استراتيجية شاملة لبعثة المينورسو خلال شهر أبريل الحالي، مما يضفي على المحادثات طابعا حاسما يهدف إلى فرض ضغوط مدروسة لتحريك المياه الراكدة وتسريع وتيرة البحث عن تسوية سياسية نهائية تنهي النزاع الإقليمي وفقا للمقاربات الدولية الجديدة.
وأوضحت تقارير أمريكية أن محطة المغرب تشهد عقد لقاءات مكثفة مع مسؤولين حكوميين وفاعلين اقتصاديين لتدارس سبل تعزيز التنسيق التكنولوجي والفضائي وتعميق الروابط الأمنية المتينة بين الرباط وواشنطن، في حين خصصت المحطة الجزائرية لبحث الجهود المشتركة المتعلقة بالأمن الإقليمي وإبرام صفقات تجارية لصالح شركات أمريكية.
وفي هذا السياق، أكد الباحث والمحلل السياسي عبد الوهاب الكاين في قراءة تحليلية لهذا الحدث أن توقيت هذه الجولة الدبلوماسية ليس وليد الصدفة بل يرتبط بعوامل متشابكة أبرزها انطلاق المراجعة الاستراتيجية لبعثة المينورسو تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025 والذي مدد ولاية البعثة لعام إضافي.
وأشار المصدر ذاته إلى أن القرار الأممي المذكور ألزم الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد مراجعة استراتيجية حول مستقبل البعثة، مع تجديد الدعم الكامل لجهود تيسير المفاوضات بناء على مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأرضية أساسية للحل.
وكشف المحلل عن عقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اجتماعا ليلة الجمعة في نيويورك مع ممثله الخاص في الصحراء ورئيس المينورسو ألكسندر إيفانكو بهدف التحضير لعرض نتائج المراجعة الاستراتيجية أمام أنظار مجلس الأمن في الثلاثين من أبريل.
وأضاف الكاين في سياق تتبعه لمساعي إيجاد حل واقعي وبراغماتي للنزاع أن الإدارة الأمريكية تقود مراجعة شاملة لعمل قوات حفظ السلام التي استمرت لنحو خمسين عاما لضمان عدم تمديد مهامها إلى ما لا نهاية دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
واعتبر الخبير أن برمجة زيارة المسؤول الأمريكي للرباط والجزائر في توقيت متزامن تحمل رسائل مبطنة تجمع بين التوازن الشكلي والضغط المدروس، حيث تسعى واشنطن في شقها المغربي إلى تعزيز شراكة أمنية وتكنولوجية متنامية لمواجهة التمدد الروسي والصيني في القارة الإفريقية.
وتابع المتحدث توضيحه بأن المقاربة الأمريكية تجاه الجزائر تتسم بتعقيد بالغ بالنظر لكونها مزودا رئيسيا بالغاز لأوروبا وحاضنة لجبهة البوليساريو ومسرحا للتنافس في منطقة الساحل، مبرزا أن إشراك واشنطن للجزائر في الحوار يندرج ضمن سياسة الضغط الناعم لتقليص مساحة مناورتها وتجنب منحها حق الاعتراض المطلق.
وأردف المحلل أن هذه الدينامية تفسر دلالات المشاركة الأمريكية في اجتماع مدريد خلال شهر فبراير الماضي والذي شكل أول إطار تفاوضي رباعي منذ عام 2019 يجمع المغرب وموريتانيا والجزائر والبوليساريو، مما وضع الطرف الجزائري تحت ضغط دولي منعه من الاعتراض تجنبا لاتهامه بعرقلة مسار التسوية السلمية.
ولفت الكاين الانتباه إلى ظهور تصدعات غير مسبوقة في الخطاب الرسمي لجبهة البوليساريو، مستدلا بتصريحات إعلامية حديثة لممثلها محمد يسلم بيسط لصحف إسبانية، أقر فيها بإمكانية التخلي عن مطلب الاستقلال الحصري وقبول مناقشة مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وأبرز المصدر أن هذه التصريحات التي كانت تعد محرمة سياسيا داخل التنظيم قبل عام واحد فقط، تعكس إما أزمة قناعة داخلية بجدوى الانفصال أو مناورة سياسية لتفادي الإقصاء التام من العملية التفاوضية، مما يؤكد بداية تفكك المنطق الذي أطر النزاع طيلة العقود الخمسة الماضية.
واستطرد الكاين في تحليله مشيرا إلى أن هذه التطورات تتزامن مع تزايد عزلة الجزائر التي تكبدت خسائر دبلوماسية فادحة منذ قرارها قطع العلاقات مع الرباط في غشت 2021، حيث تراجع الدعم الدولي لخيار الاستفتاء لصالح الحلول المستدامة، توازيا مع اتهامات وجهتها دول كمالي والنيجر للجزائر بتصدير عدم الاستقرار في المنطقة الإقليمية.
وبين الخبير أن امتناع الجزائر عن التصويت على القرار الأخير لمجلس الأمن أوقعها في مفارقة سياسية مكلفة جعلتها ملزمة بمخرجات أممية لم تساهم في صياغتها، مما أضعف قدرتها على التأثير وجعل تحركاتها الدبلوماسية محدودة النتائج بهامش مناورة جد ضيق.
وخلص المحلل إلى أن التزامن بين التحرك الأمريكي ومراجعة وضع المينورسو يضع البعثة الأممية أمام خيار مصيري يتمثل إما في الاستمرار كشاهد على الجمود أو التحول إلى أداة فاعلة لدعم مسار سياسي حقيقي، مؤكدا أن الموقف الأمريكي يميل صراحة وبقوة نحو الخيار الثاني.
وختم الكاين تصريحه بالتأكيد على أن النزاع يشهد حاليا لحظة تحول مفصلية نتيجة تراكم ضغوط متعددة تشمل تغير لغة الأمم المتحدة وتراجع خيارات البوليساريو وعزلة الجزائر المتزايدة والانخراط الأمريكي المباشر، مما يجعل النقاش منصبا اليوم حول توقيت وشروط الحل النهائي وليس حول إمكانية تحقيقه.
المصدر:
العمق