أثار مشروع قانون تنظيم مهنة العدول، المصادق عليه بالبرلمان، جدلا واسعا بسبب التعديلات المرتبطة بمسألة شهادة المرأة، ما فجّر مواجهة جديدة بين رئيس رابطة علماء المغرب العربي، الحسن الكتاني، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي.
واندلع الخلاف عقب انتقادات حادة وجّهها الكتاني إلى وهبي، متهما إياه بـ”الاستهزاء بحكم شرعي”، وذلك على خلفية تصريحات للوزير وصف فيها نظام الشهادة الذي يساوي شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد بأنه “حكم من القرون الوسطى”. كما وجّه الكتاني تساؤلا إلى المؤسسات الدينية الرسمية، من بينها المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء، بشأن موقفها من هذه التصريحات.
وقال رئيس رابطة علماء المغرب العربي: إن ” وزير العدل استهزأ في البرلمان بحكم الله تعالى بشهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد.. والآن يسمي هذا الحكم الشرعي بحكم القرون الوسطى”.
وأضاف مستدركا: “أنا لن أقول شيئا، ولكني أسأل المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، في حكم الاستهزاء بحكم شرعي قطعي مستمد من صريح القرآن”.
في المقابل، ردّ وهبي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي” باستحضار حديث نبوي، في إشارة إلى ما اعتبره قراءات متشددة للنصوص الدينية، مؤكدا أن مقاربته تقوم على اجتهاد قانوني يراعي تطور المجتمع ويستحضر مبادئ المساواة.
في هجوم مضاد على الانتقادات التي وجهها له الحسن الكتاني، والتي اتهمه فيها بـ “الاستهزاء بحكم الله” لوصفه شهادة المرأتين بـ “أحكام القرون الوسطى”، اختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي الرد باستخدام حديث نبوي شديد اللهجة.
وفي تصريح لجريدة “العمق المغربي”، استشهد وهبي بحديث “المروق” لوصف التيارات التي تتبنى قراءات متشددة للنصوص الشريعية، قائلا:يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم.. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..”.
وأوضح الوزير أن المعركة القانونية تتركز في مشروع القانون الجديد حول عبارة ” 12 شاهدا ذكورا وإناثا”، مؤكدا أن هدف الوزارة هو إقرار اجتهاد قانوني يواكب تطور المجتمع ويقطع مع الصيغ التقليدية التي لم تعد تلائم العصر، مشيراً إلى أن القضاء المغربي بدأ بالفعل في قبول شهادة المرأة بشكل مستقل.
وفي سياق متصل، انتقد الداعية الحسن الكتاني تدخل وزير العدل عبد اللطيف وهبي في هذا النقاش، معتبرا أن الأمر يتعلق بقضية دينية “ليس من حق وزير العدل أن يقحم نفسه في تغييرها”، وفق تعبيره.
وعبر الحسن الكتاني، عن رفضه لتنصيب النساء كشاهدات على عقود الزواج، معتبراً أن ذلك “لا يجوز على مذهب الإمام مالك والجمهور من الفقهاء”.
وأوضح الكتاني أن بعض المذاهب، وعلى رأسها المذهب الحنفي، تجيز شهادة المرأة في هذا السياق إلى جانب رجل، بشهادة رجل وامرأتين، غير أنه شدد على أن مخالفة هذا الرأي لما اعتبره “إجماعاً” يترتب عنه بطلان عقد النكاح.
كما تطرق إلى مسألة تولي المرأة لمنصب القضاء، مشيرا إلى أن “جماهير أئمة المسلمين” يمنعون ذلك، على حد قوله، معبّراً في الوقت نفسه عن أسفه لما وصفه بـ”تعطيل الشريعة الإسلامية في المغرب”، ووجود نظام قضائي “مختلط” يجمع بين الشريعة والقانون الوضعي.
ويأتي هذا السجال في سياق نقاش عمومي متواصل بالمغرب حول مراجعة عدد من القوانين، من بينها مدونة الأسرة، حيث يدفع وزير العدل نحو إصلاحات تشريعية ذات طابع حداثي، في حين يحذر تيار محافظ من المساس بثوابت الأحكام الشرعية.
وخلال جلسة التصويت على مشروع القانون، أوضح وهبي أن الجدل القائم لا يقتصر على تعديل تقني، بل يتعلق بتأويل قانوني وما إذا كانت تفرض حضور الجنسين معا أو تظل مفتوحة على اجتهادات مختلفة. وأشار إلى أن هذه الصياغة أثارت تفسيرات متباينة، بين من يعتبرها إلزامية، ومن يراها توصيفا عاما
وأضاف الوزير أن حذف عبارة “ذكورا وإناثا” قد يفتح بدوره الباب أمام تأويلات أوسع، قد تؤدي إلى الاقتصار على جنس دون آخر، مما يزيد من تعقيد الصياغة القانونية. كما شدد على أن القضاء المغربي يشهد تطورا في التعاطي مع شهادة المرأة، حيث بدأت بعض الاجتهادات تقبلها بشكل مستقل، مقابل استمرار توجهات أخرى متمسكة بالصيغة التقليدية.
وأكد وهبي تمسكه بالإبقاء على الصياغة الحالية، مبرزا أن المرجعية الفقهية، خاصة في المذهب المالكي، حددت عدد الشهود دون تفصيل دقيق مرتبط بالجنس، وأن الهدف هو تحقيق توازن يضمن وضوح النص وتفادي تضارب التأويلات. كما اعتبر أن الحسم النهائي في هذه المسألة يظل بيد المؤسسة التشريعية.
وفي السياق ذاته، وجّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي انتقادات لاستمرار العمل بنظام شهادة اللفيف ضمن مشروع القانون، معتبرا أنه لم يعد يواكب التحولات الاجتماعية ولا متطلبات الإثبات الحديثة، في ظل الإشكالات العملية التي يطرحها على مستوى التطبيق.
وأشار المجلس إلى أن اشتراط حضور 12 شاهدا لا ينسجم مع التحولات الديموغرافية، مثل تقلص حجم الأسر وتزايد الهجرة، ما يجعل توفير هذا العدد أمرا معقدا في عدد من الحالات، داعيا إلى مراجعة هذا النظام واعتماد وسائل إثبات أكثر ملاءمة.
كما أوصى بإدخال تعديلات جوهرية على آليات الإثبات، من بينها التنصيص الصريح على قبول شهادة المرأة ضمن نظام اللفيف، تكريسا لمبدأ المساواة، إلى جانب تعزيز الضمانات القانونية المرتبطة بموثوقية الشهادة.
ودعا المجلس أيضا إلى تحديث طرق تلقي الشهادات، عبر اعتماد وسائل رقمية مؤمنة تتيح التلقي عن بعد، مع ضمان التحقق من هوية الشهود وحماية معطياتهم الشخصية، بما يستجيب للتحولات القانونية والتكنولوجية التي يشهدها المغرب.
المصدر:
العمق