حذرت المعارضة النيابية خلال مناقشة مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، من المساس بالتوازن المطلوب بين متطلبات التنمية ومبادئ الديمقراطية الترابية، مؤكدة أن أي إصلاح لمنظومة الجهوية المتقدمة ينبغي أن يحافظ على مركزية دور المنتخبين ويصون مبدأ التدبير الحر.
وخلال اجتماع للجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، أكد رشيد حموني، رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن إصلاح القانون التنظيمي المتعلق بالجهات يجب أن ينطلق من مقاربة تضمن التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على هوامش الديمقراطية الترابية، معتبراً أن المسارين متكاملان ولا ينبغي التضحية بأحدهما لفائدة الآخر.
وأوضح حموني، خلال مداخلته في إطار مناقشة مشروع تعديل القانون التنظيمي للجهات، بلجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، أن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية هي علاقة تلازم، مشددا على ضرورة الحفاظ على روح الجهوية المتقدمة التي أسس لها دستور 2011 كإطار لتعزيز اللامركزية وتطوير تدبير الشأن العام.
وفي سياق تقييمه للمسار التشريعي، تساءل رئيس الفريق النيابي عن مدى توفر تقييم علمي وموضوعي لحصيلة 8 سنوات من تطبيق القانون التنظيمي الحالي، ومدى استناد التعديلات المقترحة إلى خلاصات دقيقة ترصد الإشكالات المسجلة في الممارسة الميدانية، وما إذا كانت تستدعي مراجعة عميقة أم مجرد تعديلات محدودة.
كما توقف المتحدث عند الجوانب العملية لممارسة الجهوية، لافتا إلى وجود إكراهات مرتبطة بطريقة اتخاذ القرار داخل المجالس، وانعكاس بعض الممارسات السياسية وهيمنة الأغلبية على أولويات البرامج التنموية. وفي هذا الصدد، أثار حموني مسألة التداخل في الصلاحيات بين الجهات وممثلي الإدارة الترابية من ولاة وعمال، مؤكداً أن هذا التداخل يطرح تساؤلات حول انسجام الحكامة وتنسيق السياسات العمومية جهوياً.
وعبر رئيس فريق “الكتاب” عن تخوفه من أن تؤدي بعض المقتضيات الجديدة إلى تقليص مبدأ “التدبير الحر”، خاصة في ما يتعلق بالمبادرة في المشاريع وآليات الشراكة، داعياً في المقابل إلى عدم حصر النقاش في الجانب القانوني الصرف، بل توسيعه ليشمل تأهيل النخب المنتخبة وتقوية قدراتها، معتبراً أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية أساسية في إعداد كفاءات قادرة على تنزيل فلسفة الجهوية.
كما أشار إلى أن مشروع القانون يرتبط برهانات وطنية كبرى، وعلى رأسها تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، مؤكداً أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى القدرة على تحقيق الفعالية التنموية دون الإخلال بمرتكزات الديمقراطية الترابية.
من جهته، حذر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، من “تهميش دور المنتخب” في تنزيل 210 مليار درهم المخصصة للجهات في 8 سنوات، مبرزا أن دور المنتخبين يجب أن يظل حاضرا بشكل كامل في تنزيل البرامج والمشاريع التنموية على المستوى الترابي، معتبرا أنه “لا يمكن نهائيا تغييب المنتخب عن عملية التنزيل”.
وشدد بووانو على أن أي مقاربة للتنمية الترابية تتجاوز المنتخبين تطرح إشكالات سياسية وديمقراطية، خاصة عندما يتعلق الأمر ببرامج كبرى ممولة من المال العام، متسائلا عن موقع الأحزاب السياسية في هذا السياق، وكيف ستتعامل مع المواطنين خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي هذا الإطار، تساءل رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عن مضمون الخطاب السياسي الذي ستقدمه الأحزاب خلال الانتخابات المقبلة، خصوصا في أفق سنة 2027، قائلا إن البرامج التنموية التي يتم تنزيلها اليوم ستطرح سؤالا أساسيا حول مسؤولية الفاعلين السياسيين في بلورتها وتنفيذها.
وأوضح المتحدث، أن ربط البرامج التنموية بالمسار الانتخابي يقتضي وضوحا في المسؤولية، مبرزا أن أي إبعاد لدور المنتخبين في مراحل التنزيل قد يضعف مصداقية الخطاب السياسي لدى الأحزاب.
كما أشار إلى أن تنفيذ المشاريع التنموية يتم أحيانا عبر تنسيق مع السلطات المحلية، مثل الولاة والعمال، غير أن ذلك، بحسبه، لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الدور الأساسي للمنتخبين، بل يجب أن يتم في إطار تكاملي يضمن وضوح المسؤوليات.
وأضاف بووانو أن غياب المنتخبين عن مراحل التنفيذ يطرح إشكالات مرتبطة بالنجاعة والحكامة، فضلاً عن تأثيره على العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، باعتبارها الجهة التي تتحمل مسؤولية سياسية أمام الناخبين.
وأكد على أن تعزيز الجهوية والتنمية الترابية لا يمكن أن يتم دون إشراك فعلي للمنتخبين في كل مراحل إعداد وتنفيذ البرامج، معتبرا أن ذلك شرط أساسي للحفاظ على مصداقية العمل السياسي وضمان توازن المسؤوليات بين مختلف الفاعلين.
في سياق متصل، شدد النائب البرلماني محمد ملال على أن أي إصلاح لمنظومة الجهوية المتقدمة لا يمكن أن ينجح دون حضور قوي وحقيقي للمنتخبين في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم البرامج التنموية، معتبرا أن المنتخب المحلي يظل الحلقة الأساسية في ترجمة السياسات العمومية على أرض الواقع، بحكم قربه من المواطنين ومعرفته المباشرة باحتياجاتهم.
وفي هذا السياق، نبه ملال إلى أن تقليص أدوار المجالس المنتخبة أو حصرها في مهام المصادقة والمناقشة فقط، مع إسناد التنفيذ بشكل كامل لهيئات أخرى، من شأنه أن يخلق اختلالا في توازن الحكامة الترابية، مؤكدا أن هذا التوجه قد يضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤثر على وضوح المسؤوليات بين الفاعلين الترابيين، بما ينعكس سلباً على نجاعة البرامج التنموية.
كما دعا المتحدث إلى ضرورة إعادة الاعتبار للدور السياسي والتنموي للمنتخبين، عبر تمكينهم من صلاحيات فعلية في التتبع والمراقبة والمبادرة، وليس فقط في مرحلة اتخاذ القرار، مشددا على أن تعزيز الجهوية المتقدمة يمر حتما عبر تقوية المؤسسات المنتخبة وتأهيلها، باعتبارها ركيزة أساسية للديمقراطية الترابية وضمانة لتحقيق تنمية منصفة وفعالة.
المصدر:
العمق