بقلم وردي حسان
في الآونة الأخيرة، ومع تتابع الأحداث وظهور العديد من الوجوه التي كانت في مرمى محمد تحفة على الشاشة، تبادر إلى ذهني هذا المقال الذي يروي قصة تحول هذا اليوتوبر من مجرد مهرج في أعين البعض – ومنهم كاتب هذا المقال – إلى صحفي مستقل من طراز فريد. عندما كان يطرح تحفة، عبر برنامجه الساخر “تحفة شو”، مواضيع حساسة وجدلية تتعلق بالفساد والمحسوبية، كان العديد من الأسماء المعروفة مثل الراضي و عبد اللطيف بومهدي و شبكة من الشخصيات النافذة في مرماه، وقد وصفهم في مواقف عديدة بطريقة ساخرة، غير أن الأيام أثبتت صحة العديد من تلك الانتقادات التي وجهها لهم، حيث بدأت هذه الشخصيات تسقط تباعا من على منصات الشهرة بعد أن ظنوا أنفسهم بعيدين عن المساءلة والمحاسبة.
ومع تتابع سقوط هؤلاء الأسماء، بدأ يتضح أكثر فأكثر أن محمد تحفة ليس مجرد “مهرج” يتلاعب بالكلمات والأفكار. بل هو صحفي مستقل، يستحق أن يدرس. فقد استطاع هذا الصحفي أن يدمج بين الصحافة الجادة والفكاهة بطريقة مبدعة، ليحول برنامجه إلى أداة لتسليط الضوء على قضايا المجتمع المغربي التي لا يجرؤ الكثيرون على التطرق إليها. لم يكن حديثه مجرد ضحك، بل كان صرخة في وجه الفساد والمحسوبية، مستخدما السخرية كأداة لنقد الواقع المرّ.
هذا المقال يستعرض هذه الظاهرة الصحفية التي فرضت نفسها على المشهد الإعلامي المغربي، وكيف أصبح محمد تحفة رمزا للصحافة المستقلة التي تواكب قضايا المجتمع، على الرغم من أن الطريق لم يكن سهلا.
منذ أن سمعت بالصحفي “محمد تحفة”، كنت أعتقد أنه مجرد مهرج يؤدي دوره في ساحة الإعلام المغربي. كان اسمه يبدو لي وكأنه دلالة على نوع من الفوضى، شخص يتنقل بين الضحك والدعابة، دون أن يكون له تأثير حقيقي على مجريات الأمور. وعندما قررت أن أطلع على أحد فيديوهاته، كنت في البداية على يقين أنني سأجد نفسي أمام عرض فكاهي لا أكثر. كنت أظن أنني أمام شخص يضرب بالدف، يضحك الجمهور ويجذب الأنظار فقط من خلال الظهور الساخر. كان في البداية مجرد مشهد فكاهي، يصاحبه بعض الضحك على مستوى السطح، تماما كما يفعل الكثيرون في عالم الإعلام.
لكن كما يقولون، “الظهور ليس كله حقيقة”. وبعد دقائق من متابعة الفيديو، بدأت تتضح لي الصورة بشكل مختلف تماما. فبينما كنت أظن أنني أمام مهرج، بدأت ألاحظ أنه يطرح مواضيع حساسة وجادة لا يجرؤ الكثير من الصحفيين على التطرق إليها. محمد تحفة ليس مجرد مهرج، بل هو صحفي مستقل يلبس قناعه المرح ليخفي وراءه رسائل أقوى مما يمكن أن يثيره بعض البرامج الجادة.
في البداية، كان من السهل أن أعتقد أنه مجرد “شخص يضرب بالدف”، تماما كما تفعل بعض الشخصيات على منصات التواصل الاجتماعي. لكن مع مرور الوقت، بدأت أرى شيئا أكثر عمقا في طريقة طرحه للمواضيع، وخاصة تلك التي تطرق لها في برنامجه “تحفة شو”. وعندما بدأ يطرح قضايا حساسة تهم المجتمع المغربي بشكل جريء، مثل الفساد والمحسوبية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الكثيرون، بدأ يتغير انطباعي عنه.
على الرغم من أن برنامجه كان يحمل طابعًا ساخرا، كان يطرح القضايا بطريقة تجعلها أكثر تأثيرا. ليس فقط من خلال الموضوعات نفسها، ولكن من خلال الأسلوب الذي اتبعه. في كل حلقة، كان يتناول موضوعا يتجنب الآخرون التطرق إليه، ويضعه أمام الجمهور، ليجعله يضحك أولا، ثم يفكر في النهاية. كان يحول ما كان يبدو على السطح مجرد “سخرية” إلى رسالة حادة وساخرة، ولكنها في النهاية تصيب قلب الحقيقة مباشرة.
ما جعلني أراجع موقفي منه بشكل كامل هو مشهد واحد: حينما بدأ يسقط واحدا تلو الآخر أولئك الذين يعتبرون أنفسهم في “منأى” عن المراقبة، أولئك الذين ظنوا أنهم في دائرة مغلقة، وأنهم في مأمن من أي محاسبة أو انتقاد. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي بمثابة “إيقاظ” من سبات طويل، أدركت بعدها أن ما كان يبدو لي في البداية مجرد مسرح هزلي، هو في الحقيقة تحقيق جريء على الواقع، يتناول قضايا حقيقية مؤلمة، ويحاول تغيير المنظور السائد حول الكثير من المواضيع التي يظن البعض أن الحديث عنها يعد “تجاوزا للحدود”.
محمد تحفة في برنامجه “تحفة شو” لم يكتفِ بممارسة الصحافة التقليدية، بل عمد إلى دمج السخرية مع الجدية في تناول قضايا المجتمع. وهذا هو السر الذي يجعل برنامجه يتفرد بين باقي البرامج الإعلامية المغربية. فهو لا يقدم “صحافة” بمعنى الكلمة فحسب، بل يضيف إليها روح الدعابة والفرجة التي تجذب المشاهدين، ومع ذلك يظل قادرا على تقديم مواضيع جادة تحاكي الواقع الاجتماعي المغربي بكل ما فيه من تعقيدات.
ليس غريبا إذن أن يكون برنامجه تحت اسم “تحفة شو”، لأن هذه التحفة ليست مجرد برنامج فكاهي، بل هي في الواقع ظاهرة صحفية يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، واسم “تحفة” هنا ليس فقط للترفيه، بل هو أيضًا دلالة على التفرد والإبداع في الشكل والمضمون، إذ استطاع أن يجعل من الصحافة وسيلة للترفيه وفي نفس الوقت أداة للنقد الاجتماعي. كان يستخدم الضحك كوسيلة لإيصال رسائل عميقة، مما يجعله يتفوق على غيره من الصحفيين الذين يظنون أن السخرية هي فقط للتهريج.
وبذلك، أصبح محمد تحفة بمثابة ظاهرة جديدة في الصحافة المغربية، حيث تمثل صحافة مستقلة تستجيب لاحتياجات المجتمع المغربي، وتواكب قضاياه اليومية دون الخوف من المحاسبة أو انتقاد الآخرين. أما اللباس الذي يرتديه، والذي هو في الأساس لباس الدعابة والمرح، فهو لا يشكل حاجزا بل يعتبر بمثابة ستار يخفي وراءه قضية أكبر وأعمق بكثير من مجرد ضحك.
إن “تحفة شو” لا يقتصر على كونه برنامجًا فكاهيا، بل هو أيضا صوت لمجموعة من القضايا الاجتماعية التي لم يكن يجرؤ الكثير من الصحفيين على الحديث عنها بشكل صريح. ومن خلال هذه المعادلة بين المرح والمحتوى الجاد، استطاع أن يفرض نفسه كواحد من البرامج التي تعيد تشكيل الصحافة في المغرب، ويعكس في نفس الوقت الواقع المعاش من خلال طابعه الساخر الذي يخفي وراءه رسائل شديدة الخطورة. إن محمد تحفة صحفي مستقل استطاع أن يطرح مواضيع حساسة لم يجرؤ على تناولها كثيرون قبله، بأسلوب يجمع بين الجدية والمرح، ليصبح ظاهرة صحفية يجب أن تدرَس بعناية في المشهد الإعلامي المغربي.
المصدر:
هبة بريس