حذر كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال التابعة لجامعة محمد الخامس، من أن تقديم الحصيلة الحكومية في وقت مبكر عن نهاية الولاية قد يتحول إلى توظيف سياسي يفرغ الحق الدستوري من غاياته، ويفتح المجال أمام ما وصفه بـ”استعمال لحق دستوري أريد به باطل سياسي”، مما يهدد بإحداث اختلال في التوازن المؤسساتي وإضعاف منسوب الرقابة البرلمانية.
وأوضح الهشومي، في حوار مع جريدة “العمق”، أن عرض الحصيلة الحكومية قبل نهاية الولاية لا يرتب أي أثر قانوني يعدل من وضعية الحكومة أو يخفف من مسؤوليتها السياسية، مشددا على أن توصيف “حكومة تصريف الأعمال” لا يجد سنده الدستوري إلا في حالات محددة حصرا كاستقالة الحكومة أو إعفائها أو حل مجلس النواب.
وأكد الخبير في القانون الدستوري أن الحكومة تظل متمتعة بكامل اختصاصاتها وخاضعة بكاملها لآليات الرقابة البرلمانية إلى غاية انتهاء ولايتها وفق المساطر الدستورية، داعيا المؤسسة التشريعية إلى الارتقاء بوظيفتها الرقابية في هذه المرحلة بالذات لتجاوز مجرد التتبع الشكلي للحصيلة إلى مساءلة موضوعية لمضامينها.
ولفت المصدر ذاته الانتباه إلى أن ما يثير الإشكالية ليس توقيت العرض بحد ذاته، بل ما قد يواكبه من “مؤشرات سياسية دالة توحي بنوع من الهرولة غير المعلنة نحو نهاية الولاية”، والتوجه المبكر نحو الدوائر الانتخابية، الأمر الذي يحول لحظة التقييم من فضاء للمساءلة إلى محطة للتموقع السياسي.
واعتبر أستاذ القانون الدستوري أنه رغم عدم وجود نص دستوري يؤطر المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية، فإن هناك مبادئ تضمن الاستمرارية مثل استمرارية المرفق العام والمسؤولية السياسية المستمرة، غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى التزام الفاعلين السياسيين بمنطق الدولة بعيدا عن منطق التموقع الانتخابي.
وتطرق الهشومي إلى الفصل 101 من الدستور، مبينا أن صيغته المرنة لا تحتاج إلى تعديل، بقدر ما تتجه الحاجة نحو إعمال تأويل دستوري مؤطر يربط عرض الحصيلة بوظيفته التقييمية لا الترويجية، ويحول دون تحويل الزمن الدستوري إلى أداة ضمن الصراع الانتخابي.
وخلص إلى أن عرض الحصيلة لا ينشئ دستوريا “نهاية مبكرة” للولاية، لكن توظيفه السياسي يطرح إشكالا أعمق حول احترام روح الدستور، مؤكدا على مسؤولية السلطة التشريعية في صون معنى الاستمرارية الدستورية ومنع أي انزلاق نحو جعل نهاية الولاية لحظة انفصال عن منطق الدولة.
فيما يلي نص الحوار كاملا:
أولا: في ظل تقديم الحصيلة الحكومية في وقت مبكر عن نهاية الولاية، كيف يمكن للمؤسسة التشريعية أن تمارس رقابتها على حكومة قد تعطي انطباعا بأنها استنفدت أغراضها وبدأت في مرحلة تصريف أعمال سياسي مقنّع قبل الأوان القانوني؟
يقتضي في اعتقادي تناول هذه الإشكالية اعتماد مقاربة منهجية تقوم على التمييز بين مشروعية الأداة الدستورية في ذاتها وبين دلالات توظيفها في السياق السياسي، دون الوقوع في خلط منهجي بين الزمن الدستوري، باعتباره زمنا مؤسسا ومؤطرا لعمل المؤسسات، والزمن الانتخابي، باعتباره زمنا متغيرا تحكمه اعتبارات التنافس والتموقع.
في هذا الإطار، فإن تقديم الحصيلة الحكومية، ولو تم في مرحلة تسبق نهاية الولاية، لا يرتب أي أثر قانوني من شأنه تعديل وضعية الحكومة أو التخفيف من نطاق مسؤوليتها السياسية. ذلك أن توصيف “حكومة تصريف الأعمال” لا يجد سنده الدستوري إلا في حالات محددة حصرا، كاستقالة الحكومة أو إعفائها أو حل مجلس النواب.
ومن ثم، تظل الحكومة، إلى غاية انتهاء ولايتها وفق المساطر الدستورية، متمتعة بكامل اختصاصاتها وخاضعة بكاملها لآليات الرقابة البرلمانية. وعليه، فإن المؤسسة التشريعية تكون، في هذه المرحلة بالذات، مدعوة إلى الارتقاء بوظيفتها الرقابية، ليس فقط عبر الآليات الكلاسيكية للمساءلة، بل من خلال تفعيل وظيفتها التقييمية في بعدها الدستوري، بما يسمح بالانتقال من مجرد التتبع الشكلي لعرض الحصيلة إلى مساءلة موضوعية لمضامينها، ومدى مطابقتها للالتزامات الواردة في التصريح الحكومي الذي تأسست عليه الثقة البرلمانية.
غير أن ما يثير الانتباه في هذا السياق لا يرتبط فقط بتوقيت عرض الحصيلة، بل بما قد يواكبه من مؤشرات سياسية دالة توحي بنوع من الهرولة غير المعلنة نحو نهاية الولاية، والتوجه المبكر نحو الدوائر الانتخابية، وكأننا بصدد انتقال فعلي من منطق تدبير الشأن العام إلى منطق الحملة الانتخابية. وهو ما يطرح، من زاوية دستورية، تساؤلا مشروعا حول طبيعة هذه الممارسة؛ هل نحن أمام تفعيل سليم لحق دستوري، أم أمام توظيف سياسي قد يؤدي إلى تفريغه من غايته؟ بلغة أدق، ألا نكون في بعض الحالات بصدد استعمال لحق دستوري أريد به باطل سياسي؟
صحيح أن هذا الانزلاق، إن ثبت، لا ينتج في ذاته أثرا قانونيا مباشرا، لكنه يفضي إلى اختلال في التوازن المؤسساتي، من خلال إضعاف منسوب الرقابة البرلمانية، وتحويل لحظة التقييم من فضاء للمساءلة إلى محطة للتموقع السياسي.
ما هي في نظركم الآليات القانونية أو الأعراف الدستورية التي يجب تفعيلها لضمان عدم تحول ما تبقى من الولاية الحكومية (بعد عرض الحصيلة) إلى فترة انتظارية تؤثر على الأوراش الاستراتيجية للدولة؟
رغم أن الدستور المغربي لا ينص صراحة على نظام خاص يؤطر المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية، إلا أنه يؤسس، بشكل ضمني، لمنطق الاستمرارية من خلال جملة من المبادئ المؤطرة، في مقدمتها مبدأ استمرارية المرفق العام، الذي يفرض على الحكومة ضمان استمرارية تدبير الشأن العام دون انقطاع أو تباطؤ، مبدأ المسؤولية السياسية المستمرة للحكومة أمام البرلمان، باعتبارها مسؤولية غير قابلة للتجزئة الزمنية، الوظيفة التقييمية للبرلمان، التي يمكن أن تتحول في هذه المرحلة إلى آلية مركزية لضبط الأداء الحكومي والحد من أي نزوع نحو التدبير الانتظاري، ثم الأعراف الدستورية الناشئة، التي يفترض أن تكرس، عبر الممارسة، قاعدة مفادها أن عرض الحصيلة لا يشكل بأي حال إعلانا عن نهاية الفعل الحكومي.
غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى التزام الفاعلين السياسيين بمنطق الدولة. فحين يطغى منطق التموقع الانتخابي، ويتحول الاهتمام من تدبير السياسات العمومية إلى كسب المواقع، فإن الخلل لا يكون في النص الدستوري، بل في الممارسة التي تفرغه من روحه وتضعف فلسفته.
هل يحتاج الفصل 101 من الدستور إلى قراءة تأويلية تربط توقيت عرض الحصيلة بآجال محددة تمنع استغلاله كمنصة للدعاية الانتخابية المبكرة
جاء الفصل 101 بصيغة مرنة تتيح لرئيس الحكومة عرض الحصيلة دون تقييد زمني صارم، وهي مرونة يمكن فهمها في إطار تعزيز دينامية الرقابة البرلمانية. غير أن هذه المرونة، في غياب تأويل مؤسساتي منضبط، قد تفتح المجال أمام استعمالات تبتعد عن الغاية الأصلية للنص.
ومن ثم، فإن الحاجة لا تتجه نحو تعديل المقتضى الدستوري، بقدر ما تتجه نحو إعمال تأويل دستوري مؤطر يقوم على ربط عرض الحصيلة بوظيفته التقييمية لا الترويجي، وعلى استحضار مبدأ التوازن بين السلط، ثم الحيلولة دون تحويل الزمن الدستوري إلى أداة ضمن الصراع الانتخابي.
وبصفة عامة، فإن عرض الحصيلة الحكومية، بصرف النظر عن توقيته، لا ينشئ من الناحية الدستورية ما يمكن توصيفه بـ”نهاية مبكرة” للولاية، ولا يبرر أي تخفيف في مستوى المسؤولية الحكومية. غير أن ما قد يواكبه من مؤشرات سياسية توحي بانتقال مبكر نحو منطق الحملة، يطرح إشكالا أعمق يتعلق بمدى احترام روح الدستور. هذا الأخير لا يقيد ممارسة الحق في ذاته، لكنه يفترض حسن استعماله في إطار غاياته. وبين المشروعية الدستورية والتوظيف السياسي، يظل التحدي قائما: إما أن يفعل هذا الحق كآلية لتعزيز الرقابة والمساءلة، أو يتحول إلى وسيلة للتموقع تفرغ الزمن الدستوري من مضمونه.
وهنا تحديدا، تتأكد مسؤولية السلطة التشريعية، لا فقط في مساءلة الحكومة، بل في صون معنى الاستمرارية الدستورية، ومنع أي انزلاق نحو جعل نهاية الولاية لحظة انفصال عن منطق الدولة، بدل أن تظل امتدادا له.
المصدر:
العمق