آخر الأخبار

قاض يرصد إشكالات الصياغة في المسطرة المدنية ويدعو إلى توحيد منطق التشريع

شارك

رصد فتح الله المهدي، قاض ملحق بقطب التكوين الأساسي والتخصصي بالمعهد العالي للقضاء، من رصد عدد من إشكالات الصياغة في قانون المسطرة المدنية الجديد، معتبراً أن بعض المقتضيات الواردة فيه تعكس تفاوتاً في منطق البناء التشريعي داخل النص، بما يستدعي، حسب تصوره، توحيداً أوضح في أسلوب الصياغة القانونية لضمان الانسجام والدقة في التفسير والتطبيق.

وأكد المهدي، في ندوة نظمتها الجامعة الدولية للرباط، صباح اليوم الجمعة، حول مستجدات قانون المسطرة المدنية، أن جودة التشريع لا تنفصل عن وضوح اللغة القانونية، وأن أي تباين في الصياغة قد ينعكس على الفهم القضائي وعلى فعالية تنزيل القواعد الإجرائية.

وفي سياق إبراز مستجدات القانون الجديد، أشار المهدي إلى أن النص جاء بتوسيع مهم في بنيته العددية، حيث انتقل من 528 مادة في القانون الحالي إلى 644 مادة، في إطار إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى تعزيز نجاعة الإجراءات المدنية. كما توقف عند إدراج “القواعد التوجيهية للدعوى المدنية” باعتبارها إطاراً جديداً يؤطر عمل القضاء، من بينها مبدأ البث داخل أجل معقول، والتنصيص الصريح على استقلال القاضي وحياده وتجرده، إضافة إلى تأكيد مفهوم “حسن سير العدالة” بدل “سير العدالة” بما يحمله من دلالات تتجاوز الجانب الشكلي إلى مضمون يرتبط بحسن النية في التقاضي.

كما أبرز أن من بين أهم المستجدات أيضاً تعزيز دور المحكمة في الصلح، حيث أصبح بإمكانها اقتراحه تلقائياً على الأطراف في المادة المدنية، مع ترتيب أثر نهائي على الاتفاق المصادق عليه، فضلاً عن تكريس توجه العدالة التصالحية.

وتوقف كذلك عند تقنين عدد من الاجتهادات القضائية السابقة، مثل الاعتراف بالمصلحة المحتملة في شروط التقاضي، وإدراج دعوى الزور الأصلي ضمن الدعاوى المدنية القائمة على هذا الأساس، إضافة إلى التنصيص الصريح على إلزام المحكمة بإنذار الأطراف لتدارك النواقص أو الإدلاء بالمستندات، بما يعزز فعالية الإجراء ويكرس دور القاضي في تصحيح المسطرة.
إشكالات في صياغة المسطرة المدنية

توقف فتح الله المهدي عند عدد من الإشكالات المرتبطة بالصياغة التشريعية في قانون المسطرة المدنية الجديد، معتبراً أن بعض الصياغات الواردة فيه تطرح إشكالات على مستوى الدقة والوضوح، ومقدماً في هذا السياق مثال الفصل 77 الذي اعتبره نموذجاً دالاً على هذا الإشكال، حيث ينص على أن المقال “يتضمن تحت طائلة عدم القبول” عدداً من البيانات، بما يوحي من حيث القراءة الأولية بأن تخلف أحد هذه البيانات يؤدي مباشرة إلى التصريح بعدم القبول، قبل أن يعود المشرع في الفقرة الموالية إلى التنصيص على إلزامية إنذار رئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية للأطراف أو وكلائهم أو محاميهم لتدارك النقص أو الإغفال.

وأوضح المهدي أن هذا التداخل بين الإلزام والعقوبة الإجرائية ثم العودة إلى إمكانية التدارك، يخلق نوعاً من الارتباك في فهم القاعدة، خاصة عند مقارنتها بصياغات أخرى في نفس القانون، لاسيما تلك المتعلقة بشروط التقاضي، حيث وردت الصياغة بشكل مختلف حين نص المشرع على أنه “لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة والإذن عند الاقتضاء”، دون الإحالة إلى جزاء إجرائي مباشر في نفس الصياغة، وهو ما يبرز، حسب تعبيره، اختلافاً في البناء التشريعي بين النصوص داخل القانون الواحد.

وأضاف أن المشرع في مواضع أخرى أنه “لا يمكن للمحكمة أن تصرح بعدم القبول إلا في حالات محددة”، وهو ما يعكس، في نظره، نمطا أكثر تدرجاً في ترتيب الجزاء الإجرائي مقارنة بما ورد في الفصل 77، داعياً إلى ضرورة توحيد منطق الصياغة التشريعية حتى يكون النص أكثر انسجاماً ووضوحاً.

عمل بشري قابل للتطوير والنقاش

عاد القاضي فتح الله المهدي إلى التأكيد على أن قانون المسطرة المدنية الجديد يعد في مجمله قانوناً متطوراً، لكنه يظل، في نهاية المطاف، عملاً بشرياً قابلاً للنقاش والتطوير، سواء من خلال الممارسة القضائية أو من خلال تعديلات مستقبلية قد تطرأ عليه، أو حتى عبر إمكانية صدور نص تشريعي جديد ينسخه في مرحلة لاحقة، باعتبار أن القاعدة القانونية، كما قال، تظل مرتبطة بالمجتمع وتتطور بتطوره.

وفي سياق حديثه عن فلسفة هذا التطور التشريعي، انتقل المهدي إلى إبراز مفهوم “هندسة إدارة الدعوى المدنية”، موضحاً أن هذا المفهوم يعكس تحولاً في النظر إلى الدعوى المدنية من كونها مجرد إجراء تقليدي بسيط، إلى اعتبارها بنية مركبة تقوم على هندسة دقيقة سواء على مستوى التعامل القضائي مع الدعوى أو على مستوى الصياغة التشريعية للإجراءات المنظمة لها، بما يجعل إدارة الدعوى عملية قائمة على تصور شمولي يدمج بين النص والتطبيق.

وفي هذا الإطار، توقف عند إشكالية “عقلنة الإجراء والفعالية القضائية”، مشيراً إلى أن المشرع يسعى إلى جعل الإجراءات المدنية أكثر عقلنة ونجاعة من الناحية التشريعية، غير أن هذا المسعى لا يكتمل، بحسبه، إلا بوجود فعالية قضائية موازية في تطبيق هذه الإجراءات. واعتبر أن الفعالية القضائية في بعض الأحيان تتجاوز مجرد تطبيق النص، لتصبح مرتبطة بضمان حسن سير العدالة، بما يفرض على جميع المتدخلين في العدالة الالتزام بروح النص وليس فقط بحرفيته.

وفي سياق تبرير الحاجة إلى القانون الجديد للمسطرة المدنية، أوضح المهدي أن هذا الإصلاح التشريعي كان ضرورياً لعدة اعتبارات، من بينها ضرورة ملاءمة قانون المسطرة المدنية مع مجموعة من القوانين التي تم تعديلها، خاصة تلك المتعلقة بالتنظيم القضائي والهيكلة القضائية والطعون وتنظيم الغرف، مبرزاً أن القانون القديم أصبح يتضمن مقتضيات لم تعد لها مكانة في الواقع التشريعي الحالي.

وأشار في هذا السياق إلى أن القانون الجديد يمثل تطوراً مهماً من حيث البنية التشريعية، خاصة مع الانتقال من 528 مادة في القانون الحالي إلى 644 مادة في المشروع الجديد، معتبراً أن هذا التوسع يعكس تعزيزاً تشريعياً كبيراً، لاسيما وأن قانون المسطرة المدنية القديم ظل قائماً لأكثر من قرن مع ما عرفه من تعديلات متراكمة.

قواعد توجيهية للدعوى المدنية

وانتقل القاضي الملحق بالمعهد العالي للقضاء إلى الحديث عن “القواعد التوجيهية للدعوى المدنية”، معتبراً أن القانون الجديد أرسى تصوراً جديداً يمكن وصفه بـ”الهندسة التأطيرية للدعوى”، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على شروط التقاضي التقليدية المرتبطة بالصفة والأهلية والمصلحة والإذن، بل تم تطوير إطار معياري جديد يحدد المبادئ العامة المؤطرة لسير العدالة المدنية.

ومن بين هذه القواعد التوجيهية، أشار إلى مبدأ البث داخل أجل معقول باعتباره قاعدة دستورية، إضافة إلى مبدأ استقلال القاضي وحياده وتجرده وكفاءته، فضلاً عن التنصيص الصريح على أن المحاكم تسهر على “حسن سير العدالة” وليس فقط على “سير العدالة”، معتبراً أن هذا التعبير يحمل دلالة عميقة تتجاوز الجانب اللغوي إلى مضمون مرتبط بحسن النية في التقاضي وضرورة احترام جميع المتدخلين لهذا المبدأ.

وفي سياق متصل، أبرز المهدي أن القانون الجديد عزز من دور المحكمة في مجال الصلح، حيث أصبح بإمكانها اقتراح الصلح تلقائياً على الأطراف، وإذا تم الاتفاق يتم تحرير محضر بذلك، ويصبح الحكم الصادر بشأنه نهائياً غير قابل لأي طعن، وهو ما يعكس توجه المنظومة القضائية نحو العدالة التصالحية وإشراك المحكمة في تيسير إنهاء النزاعات.

كما توقف عند إشكالية “المصلحة المحتملة” في شروط التقاضي، موضحاً أن القضاء المغربي اعتمدها قبل التنصيص التشريعي عليها، مستشهداً بعدد من قرارات محكمة النقض التي أقرتها، بل وأشار إلى أن عدداً من الدعاوى التي تم إدراجها في القانون الجديد كانت في الأصل من ابتكار القضاء قبل أن يتبناها المشرع.

ومن بين هذه الدعاوى، ذكر دعوى الزور الأصلي التي تُعد من الدعاوى المدنية القائمة على مصلحة محتملة، حيث يباشرها الشخص عندما يُخشى أن يُواجه مستقبلاً بوثيقة مزورة، فيتوجه إلى القضاء للطعن فيها قبل استعمالها ضده، مؤكداً أن هذه الدعوى تندرج ضمن القضاء المدني وليست الجنائي، وأن النظام المغربي لا يحصر الدعاوى بشكل مغلق بل يفتح المجال أمام مختلف الحقوق التي يمكن حمايتها قضائياً.

وتناول كذلك مسألة تصحيح المسطرة، حيث أصبح لزاماً على المحكمة أن تنذر الأطراف لتدارك النواقص المتعلقة بشروط الدعوى، مبرزاً أن هذا التوجه يعكس تطوراً في وظيفة القاضي من مجرد حسم النزاع إلى المساهمة في تصحيح المسار الإجرائي بما يضمن حسن سير العدالة، وهو ما يتجلى أيضاً في بعض القضايا مثل أداء القسط الجزافي في الدعاوى المدنية التابعة في المجال الجنائي، حيث تتدخل المحكمة بفعالية قضائية لتنبيه الأطراف.

وفي السياق نفسه، أشار إلى أن القانون الجديد نص صراحة على ضرورة إنذار الأطراف من أجل الإدلاء بالمستندات، بعدما كان القضاء في السابق هو من استقر على هذا المبدأ دون نص صريح، وهو ما تم تكريسه اليوم ضمن الفصل 77 في فقرته ما قبل الأخيرة.

وبخصوص إجراءات تحقيق الدعوى، أكد أن المشرع أولى عناية خاصة لهذه المرحلة من خلال تنظيمها بدقة، حيث أصبح على المحكمة أن تتحقق أولاً من قبول الدعوى شكلاً قبل الانتقال إلى إجراءات التحقيق، وذلك تفادياً لإهدار الزمن القضائي أو إصدار أحكام بعدم القبول ثم إعادة رفع الدعوى من جديد، بما يترتب عنه من أعباء مالية وإجرائية على الأطراف.

كما شدد على أهمية فعالية القاضي في هذه المرحلة، سواء في إجراءات البحث أو الخبرة، حيث ينبغي أن تكون الأسئلة الموجهة دقيقة ومغلقة ومرتبطة مباشرة بموضوع النزاع، مع ضرورة احترام حدود الخبرة وعدم الخلط بين المسائل الفنية والقانونية، باعتبار أن دور الخبير يظل تقنياً محضاً.

واختتم المهدي مداخلته بالتأكيد على أن فعالية القضاء تظل عنصراً حاسماً في إنجاح أي إصلاح تشريعي، لأن النص مهما بلغ من الدقة لا يمكن أن يحقق أهدافه دون ممارسة قضائية واعية ومواكبة، مشيراً إلى أن القانون، في نهاية المطاف، يظل ظاهرة اجتماعية تتطور بتطور المجتمع، وهو ما يجعل إصلاحه عملية مستمرة وغير منتهية.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا