هبة بريس – عبد اللطيف بركة
في عصر الصورة الرقمية، لم تعد الكليبات الغنائية، مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مرآة غير مباشرة تعكس ملامح الواقع الحضري. وفي هذا السياق، يلفت متابعون إلى أن عدداً من فيديوهات أغاني الراي المصورة في مدن جزائرية تُظهر، بشكل غير مقصود، اختلالات في البنيات التحتية، من طرق متدهورة إلى فضاءات عمومية تفتقر للتهيئة، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية استثمار العائدات الطاقية للبلد.
فن الراي، الذي ارتبط بأسماء بارزة ، ظل لسنوات واجهة ثقافية للجزائر، لكن انتقاله إلى الصورة كشف تفاصيل لم تكن بارزة في السابق، فالكاميرا، حتى في سياق فني، لا تستطيع دائماً إخفاء محيطها، ما يجعل بعض الكليبات توثق دون قصد واقع الفضاءات الحضرية.
ورغم أن الجزائر تُعد من كبار منتجي النفط والغاز، حيث تشكل هذه الموارد نحو و90 في المائة من صادراتها، فإن انعكاس هذه الثروة على البنية التحتية يظل محل نقاش. صحيح أن البلاد تتوفر على شبكة طرق واسعة تتجاوز 100 ألف كيلومتر، ومشاريع كبرى مثل الطريق السيار شرق غرب، غير أن تقارير متعددة تشير إلى تحديات مرتبطة بالصيانة، وجودة الإنجاز، وتأخر بعض المشاريع، ما يحد من الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات على الحياة اليومية.
في المقابل، يبرز نموذج المغرب الذي، رغم محدودية موارده الطبيعية، اعتمد خلال العقدين الأخيرين على خيار استراتيجي يقوم على تطوير البنيات التحتية كرافعة أساسية للتنمية، فقد نجح في بناء شبكة طرق سيارة حديثة، وتطوير موانئ ذات معايير دولية مثل طنجة المتوسط وناظور والداخلة اللذان في طور البناء، ميناء طنجة المتوسطي أصبح من بين الأكبر في إفريقيا والمتوسط، إضافة إلى إطلاق مشاريع نقل متقدمة مثل القطار فائق السرعة البراق.
هذا التوجه لم يقتصر على المشاريع الكبرى، بل شمل أيضاً تأهيل المدن وتحسين جودة الفضاءات العمومية، ما جعل الصورة الحضرية في المغرب أكثر انسجاما، وهو ما ينعكس بدوره حتى في الأعمال الفنية المصورة، التي غالباً ما تُظهر بيئة منظمة ومهيأة.
الفارق الجوهري بين البلدين لا يكمن فقط في حجم الموارد، بل في طريقة تدبيرها. فبينما تعتمد الجزائر بشكل كبير على العائدات الطاقية، يراهن المغرب على تنويع الاقتصاد وجعل البنية التحتية أداة لجذب الاستثمار وتحقيق الاندماج الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، تتحول الكليبات الغنائية إلى مؤشر غير تقليدي لقياس الفوارق بين البلدين الجارين، ففي الوقت الذي تكشف فيه بعض الأعمال الفنية في الجزائر عن اختلالات عمرانية، تعكس نظيراتها في المغرب صورة أكثر تنظيما، نتيجة استثمارات متواصلة في التهيئة الحضرية.
في النهاية، تؤكد هذه المقارنة أن التنمية لا تقاس فقط بحجم الموارد، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى واقع ملموس. وبين بلد غني بالثروات الطبيعية وآخر يعتمد على التخطيط والاستثمار، تبدو النتيجة على مستوى البنيات التحتية أكثر وضوحاً على أرض الواقع، بل وحتى في عدسة الكاميرا.
المصدر:
هبة بريس