في خضم تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والتجارة، يبرز المغرب ضمن الدول الأكثر عرضة لارتدادات الصدمة، بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد، وهو ما يضع المالية العمومية وسلاسل الإنتاج تحت ضغط متزايد، وفق تقرير حديث صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا).
ويؤكد التقرير الذي توصلت جريدة “العمق” بنسخة منه، أن المغرب، الذي يستورد حوالي 90 في المائة من احتياجاته من الطاقة، يوجد في موقع هش أمام التقلبات الحادة في أسعار النفط وتكاليف الشحن، حيث يُتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود خلال فترة الصراع إلى رفع كلفة دعم الطاقة إلى ما بين 20.9 و22.8 مليار درهم سنة 2026، وهو مستوى يفوق بكثير الاعتمادات المرصودة في قانون المالية والمحددة في 13.77 مليار درهم.
ولا تقف التداعيات عند حدود المالية العمومية، بل تمتد إلى النسيج الصناعي، إذ يشير التقرير إلى أن اضطراب مسارات الشحن، خاصة عبر تحويلها نحو رأس الرجاء الصالح، يؤدي إلى إطالة مدة النقل بين 10 و15 يوما، مع ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 40 في المائة مقارنة بمستويات 2019، ما ينعكس مباشرة على كلفة الواردات الأساسية مثل الوقود والآلات والأسمدة والمواد الوسيطة.
هذا الوضع يضغط بشكل خاص على قطاعات استراتيجية في الاقتصاد المغربي، من بينها صناعة السيارات والطيران والصناعات الغذائية الموجهة للتصدير، حيث يؤدي ارتفاع كلفة المدخلات إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتفاقم الهشاشة الخارجية.
على المستوى الإقليمي، يوضح التقرير أن تداعيات الصراع لا تقتصر على بلد بعينه، بل تشمل مجمل الأنظمة الحيوية في المنطقة العربية، خاصة الطاقة والمياه والغذاء، التي توصف بأنها “ركائز مترابطة” للأمن البشري والاستقرار الاقتصادي.
وقد أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى قفز أسعار النفط إلى أكثر من 112 دولارا للبرميل، مع تراجع صادرات دول الخليج بنسبة تتراوح بين 75 و90 في المائة في بعض الفترات، ما تسبب في ضغوط غير مسبوقة على الأسواق العالمية.
كما يبرز التقرير أن تعطل حركة الشحن عبر هذا الممر الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، أدى إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بحوالي 150 مليار دولار خلال الشهر الأول فقط من الصراع.
وتنعكس هذه الاضطرابات بشكل مباشر على الأمن الغذائي، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، خاصة في الدول المستوردة، مع توقعات بأن يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية بنسبة 20 في المائة إلى زيادة تقارب 34.75 في المائة في الأسعار المحلية داخل الدول العربية متوسطة ومنخفضة الدخل.
كما قد يدفع ذلك نحو إضافة حوالي 5 ملايين شخص إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، في منطقة يعاني فيها أصلاً نحو 197.7 مليون شخص من هذه الظاهرة.
في هذا السياق، يتقاطع وضع المغرب مع نموذج الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة، حيث تتراكم عليه ضغوط متزامنة تشمل ارتفاعا ملحوظا في كلفة الدعم العمومي، وزيادة في تكاليف الإنتاج الصناعي، إلى جانب تعقيد متزايد في سلاسل الإمداد الدولية، وهي ديناميات مترابطة تجعل الاقتصاد الوطني أكثر انكشافاً أمام الصدمات الخارجية، خصوصا في ظل الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة وباقي القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الغذاء والنقل والصناعة، بما يفاقم من حساسية التوازنات الاقتصادية لأي اضطراب دولي مفاجئ.
ويخلص التقرير إلى ضرورة اتخاذ إجراءات إقليمية منسقة، تشمل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر، من أجل الحد من المخاطر العابرة للحدود وحماية استقرار الأسواق.
وبالنسبة للمغرب، تبرز هذه المعطيات أهمية تسريع خيارات التنويع الطاقي وتقوية القدرة على امتصاص الصدمات، في ظل بيئة دولية تتسم بتقلبات متزايدة وعدم يقين ممتد.
المصدر:
العمق