رغم القفزة الكبيرة في أسعار النفط منذ اندلاع المواجهة العسكرية المرتبطة بإيران، تجد شركات خدمات الحقول النفطية نفسها في وضع معاكس للتوقعات، حيث يتراجع النشاط بدل أن ينتعش، في مفارقة تعكس طبيعة هذه الأزمة المركّبة.
ففي الظروف العادية، يشكل ارتفاع الأسعار حافزًا مباشرًا لتوسيع الاستثمارات في التنقيب والإنتاج، ما ينعكس إيجابًا على شركات الحفر والخدمات التقنية. غير أن الحرب الأخيرة قلبت هذه المعادلة، بعدما تحولت منطقة الشرق الأوسط، أحد أهم مراكز الطاقة عالميًا، إلى فضاء عالي المخاطر، يقيّد قرارات المنتجين بدل أن يدفعهم للتوسع.
سجل خام برنت ارتفاعًا حادًا تجاوز 50% منذ أواخر فبراير، مدفوعًا بالتوترات العسكرية عقب الضربات التي استهدفت إيران. لكن هذا الارتفاع لم يترجم إلى زيادة في الطلب على خدمات الحقول النفطية.
السبب الرئيسي يكمن في حالة عدم اليقين؛ إذ يفضل المنتجون التريث بدل ضخ استثمارات جديدة في بيئة غير مستقرة أمنيًا. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بالسعر، بل بدرجة المخاطر التي تحيط بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
على الأرض، تبدو آثار الحرب واضحة:
كما زادت التحديات اللوجستية مع تعقّد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، ما يضاعف كلفة العمليات ويحد من جدواها الاقتصادية.
تُعد شركات مثل Halliburton وBaker Hughes من أكثر المتضررين، نظرًا لانكشافها الكبير على أسواق الشرق الأوسط.
ولا يقتصر التأثير على الكبار فقط، بل يمتد إلى شركات أصغر استثمرت حديثًا في المنطقة، لتجد نفسها أمام مشاريع مجمدة أو مؤجلة. بعض هذه الشركات اضطر إلى وضع منصات حفر في حالة انتظار، بل وإجلاء موظفين من مواقع عمل.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات استشارية إلى احتمال تراجع إيرادات خدمات الحقول النفطية في الشرق الأوسط بنسبة تتراوح بين 10% و20% خلال الربع الأول، مع توقعات بمزيد من التدهور إذا استمر الصراع.
حتى خارج الشرق الأوسط، لم يترجم ارتفاع الأسعار إلى توسع سريع في الإنتاج. فقد أبدى منتجون أمريكيون حذرًا واضحًا، مشيرين إلى ضرورة استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قبل اتخاذ قرار بإضافة منصات حفر جديدة.
هذا التريث يعكس إدراكًا بأن الارتفاع الحالي قد يكون ظرفيًا، مرتبطًا بالأزمة الجيوسياسية، وليس نتيجة طلب مستدام.
ورغم الصورة القاتمة على المدى القصير، تلوح في الأفق فرص مستقبلية مهمة. فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة ستفرض عمليات إصلاح واسعة، تقدر تكلفتها بعشرات المليارات من الدولارات.
ومن المتوقع أن يتحول الطلب لاحقًا نحو:
غير أن هذه المرحلة قد تأتي على حساب مشاريع التوسع، إذ ستُعطى الأولوية لإعادة التشغيل بدل الاستثمار في حقول جديدة.
وتكشف هذه الأزمة عن مفارقة لافتة في سوق الطاقة، ففي حالات عدم الاستقرار الحاد، تصبح الأولوية لدى المنتجين هي تقليل المخاطر، لا تعظيم الأرباح، وهو ما يضع شركات الخدمات النفطية في موقع الخاسر المؤقت، رغم المؤشرات الإيجابية الظاهرة في السوق.
المصدر:
هسبريس