آخر الأخبار

فيلم "العالم الجديد".. حين تتحول الأرض إلى استعمار ويصير الحلم إمبراطورية

شارك

-4-

في فيلم The New World / “العالم الجديد”، للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك، لا يحكي التاريخ حكاية انتصار، بقدر ما يصبح سؤالاً مفتوحاً على الشك: وماذا يعني أن نكتشف أرضاً جديدة ونحن لم نكتشف بعد ذواتنا؟ وهل يولد العالم من رغبة المعرفة أم من شهوة الامتلاك؟ وفي سينما تيرنس ماليك لا توجد يقينيات صلبة، وإنما أرواح تمشي على حافة الغموض، تصغي إلى همس الطبيعة كما لو كان نداءً داخلياً.

وفيلم “العالم الجديد” ليس جغرافيا فقط، فهو لحظة اهتزاز بين البراءة والخطيئة، بين اللقاء والفقدان، حين يهمس أحد أبطاله في “الخط الأحمر الرفيع”، قائلاً: “ما هذا الشر الذي يسكن في قلب الخير؟”. ويتردد السؤال ذاته هنا: هل كان الاكتشاف خلاصاً أم بداية جرح طويل؟ وتنحت هذه السينما الشك كقيمة معرفية، وتجعل من الصورة تأملاً، ومن الصمت اعترافاً بأن الحقيقة أوسع من كل سرد.

في معنى الاكتشاف وبراءة البداية والخسارات الأولى

يُعد فيلم The New World / “العالم الجديد” (2005)، محطة مفصلية في المسار التأملي للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك، ليس فقط لأنه يعود إلى لحظة تأسيسية في التاريخ الأمريكي، وإنما لأنه يعيد كتابة الأسطورة الأولى للقاء بين العالمين الأوروبي والأمريكي الأصلي بلغة شعرية تذيب الحدود بين التاريخي والميتافيزيقي، بين الواقعة والأسطورة، وبين الجسد والروح.

أدّى Colin Farrell دور القبطان، جون سميث، مجسدًا شخصية ممزقة بين روح المغامرة والحنين إلى الحرية. وقدّمت Q’orianka Kilcher دور Pocahontas / بوكاهونتاس، بروح شفافة تعكس براءة الطبيعة وقوة الانتماء للأرض. كما لعب Christian Bale دور جون رولف، المستوطن الذي يتزوج بوكاهونتاس لاحقًا ويمنحها شكلًا آخر من الاستقرار. ولا يروي الفيلم قصة حب تقليدية بقدر ما يتأمل فكرة اللقاء بين عالمين، بين براءة الطبيعة وقسوة المشروع الاستعماري. ويعالج ماليك الزمن بوصفه تيارًا داخليًا، وتتحول الصورة إلى قصيدة عن الاكتشاف والخسارة معًا. وفي هذا “العالم الجديد” لا تكون الأرض وحدها موضوع الاكتشاف، وإنما الإنسان أيضًا، في ضعفه وشغفه وحلمه بعالم أكثر صفاءً.

ولا يؤسس الفيلم دراما تاريخية تقليدية عن حكاية بوكاهونتاس وجون سميث، ولكن عن تأمل بصري وروحي في معنى الاكتشاف، في براءة البداية، وفي الخسارة الأولى التي ترافق كل ميلاد.

وينتمي فيلم “العالم الجديد” إلى سينما التأمل الوجودي التي طبعت تجربة ماليك منذ فيلمه الأول “الأراضي الوعرة” (1973)، ثم تعمقت مع فيلم “أيام الجنة” (1978)، قبل أن تبلغ ذروتها الحربية الفلسفية في فيلم “الخط الأحمر الرفيع” (1998). وفي فيلم “العالم الجديد” (2012)، يعود ماليك إلى سؤال البداية، إلى اللحظة التي يلتقي فيها الإنسان بالطبيعة دون وسيط، قبل أن تتحول الأرض إلى مشروع استعمار، وقبل أن يصبح الحلم إمبراطورية.

سينما الإحساس والقلق الداخلي وخرائط السلطة

تدور أحداث الفيلم حول وصول المستكشفين الإنجليز إلى سواحل فيرجينيا سنة 1607، وتأسيس مستعمرة جيمستاون. وفي قلب هذا الحدث التاريخي تتشكل العلاقة بين الكابتن جون سميث والأميرة الهندية بوكاهونتاس، غير أن ماليك لا يسرد القصة بوصفها حكاية رومانسية فحسب، وإنما كصدام رؤيوي بين عالمين، بين تصورين للوجود. وهنا العالم الإنجليزي قائم على الامتلاك والسيطرة والتنظيم، بينما العالم الهندي قائم على الانسجام مع الطبيعة والعيش في إيقاعها.

ولا تُقدَّم الشخصيات كأبطال تاريخيين، وإنما كأصوات داخلية تبحث عن معنى. وتنساب الكاميرا بين الأشجار والمياه والوجوه كما لو أنها تبحث عن روح خفية. ولا تعتبر الطبيعة خلفية للأحداث، فهي شخصية مركزية، كيان حي يراقب ويحتضن ويصمت. ونجد أنفسنا أمام سينما لا تعتمد الحدث بقدر ما تعتمد الإحساس، لا تبني التوتر عبر الصراع الظاهر وإنما عبر القلق الداخلي.

ومن الناحية الخطابية، يعتمد الفيلم على المونولوغ الداخلي، ذلك الصوت الهامس الذي يخترق الصورة ويتسلل إلى أعماقها. وتسأل شخصية بوكاهونتاس في أحد المقاطع: «أمي، أين تعيشين؟ أفي السماء؟ في الغيوم؟ في البحر؟». الأم هنا ليست مجرد أم بيولوجية، فهي الأرض، الطبيعة، الأصل الأول الذي تنبثق منه الحياة وتعود إليه. ويأتي الصوت كصلاة خافتة، كابتهال شفيف إلى كون أوسع من الحدود السياسية والثقافية، كونٍ يحتضن الكائن في براءته الأولى قبل أن تمسه يد الغزو أو تلوثه خرائط السلطة.

الحب كملاذ هش وصخب التاريخ

تقوم الهوية الفيلمية في فيلم “العالم الجديد”، على تفكيك السرد الخطي. ولا يتأسس الزمن في الفيلم على التسلسل بقدر ما هو تدفق وجداني. ولا تكون الانتقالات محكومة بالمنطق الدرامي التقليدي، وإنما بإيقاع داخلي يربط المشهد بالذكرى، والحاضر بالحلم. وهذه التقنية التي ستبلغ أقصى تجلياتها لاحقًا في فيلم “شجرة الحياة” (2011)، تتأسس هنا بوصفها خيارًا جماليًا وفلسفيًا.

وثقافيًا، يستند الفيلم إلى إعادة قراءة أسطورة التأسيس الأمريكي. والحكاية التي طالما قُدمت بوصفها لقاءً بطوليًا بين الحضارة والبرية، يعيدها ماليك إلى مستوى إنساني هش. ولا يمكن اعتبار المستعمرين أبطالاً، فهم بشر تائهون، خائفون، جائعون. ولا يعتبر الهنود الحمر رموزًا رومانسية، فهم مجتمع له نظامه وقيمه وروحه. ولا يتمثل الصدام هنا فقط عسكريًا أو سياسيًا، فهو صراع وجودي، بخلفية وسؤال: ماذا يحدث حين يلتقي تصوران مختلفان للطبيعة والحرية والمعنى؟

وفلسفيًا، يطرح الفيلم سؤال البراءة الأول: فهل كان ممكنًا لعالمين أن يلتقيا دون أن يلتهم أحدهما الآخر؟ وتجسد العلاقة بين جون سميث وبوكاهونتاس هذا الحلم المستحيل، حلم التعايش النقي قبل أن يتسلل الطمع ويُفسد المعنى. وفي لحظة تأمل يقول سميث: “سنعيش إلى الأبد”. ولا تعتبر العبارة هنا وعدًا بيولوجيًا بطول العمر، وإنما رغبة عميقة في تجميد اللحظة، في تخليد ذلك الصفاء العابر، وفي جعل الحب ملاذًا هشًا من صخب التاريخ. غير أن التاريخ لا يعترف بالأحلام الطويلة؛ يتدخل دائمًا، يقاطع النشيد، ويفرض منطقه القاسي على القلوب والأمكنة.

وتتطور حكاية بوكاهونتاس لاحقًا حين تتزوج من جون رولف وتنتقل إلى إنجلترا. وهنا يتعمق سؤال الهوية: هل يمكن للإنسان أن يولد من جديد في ثقافة أخرى؟ وهل العالم الجديد هو جغرافيا أم حالة روحية؟ ولا يعد انتقالها من الغابة إلى البلاط الإنجليزي مجرد انتقال مكاني، فهو عبور وجودي من الانسجام الطبيعي إلى النظام الاجتماعي الصارم.

سينما الحكاية والاغتراب والفقدان

تتجلى الخصائص الجمالية لفيلم “العالم الجديد”، في التصوير الطبيعي الذي يعتمد الضوء المتغير، وفي حركة الكاميرا الحرة التي تتبع الشخصيات من الخلف، وفي الموسيقى التي تمزج بين الكلاسيكي والأصوات البدائية. كل ذلك يخلق إحساسًا بأننا أمام قصيدة مرئية. ولا تعتبر الصورة عند ماليك وسيلة لسرد الحكاية، فهي وسيلة للتأمل في الكينونة.

إذا كان فيلم “الأراضي الوعرة”، قد تأمل العنف بوصفه انحرافًا فرديًا، وفيلم “أيام الجنة”، قد عالج فكرة الجنة الضائعة في الحلم الأمريكي، وطرح فيلم “الخط الأحمر الرفيع”، سؤال الشر في قلب الحرب، فإن فيلم “العالم الجديد”، يذهب إلى الجذر، إلى لحظة الولادة الأولى، حيث يتشكل معنى الأمة، ومعنى الفقدان أيضًا.

ويمكن قراءة الفيلم في ضوء دراسات ما بعد الاستعمار، إذ يعيد مساءلة السردية الكولونيالية الكلاسيكية. لكنه يتجاوز القراءة الإيديولوجية المباشرة، لأنه لا يحاكم الشخصيات بقدر ما يصغي إليها. ولا يصدر ماليك أحكامًا، فهو يفتح فضاءً للتأمل. إنه يعيدنا إلى سؤال بسيط وعميق في آن واحد: كيف نعيش على هذه الأرض دون أن نفسد براءتها؟

وفي أحد أكثر المشاهد تأثيرًا، تقف بوكاهونتاس في إنجلترا وسط حدائق مرتبة بعناية، وتنظر إلى السماء كما لو أنها تبحث عن غابة بعيدة. والصمت هنا أبلغ من الحوار. وترتفع الكاميرا، الضوء يخفت، والحنين يصبح لغة. والعالم الجديد الذي حلمت به يتحول إلى عالم غريب وينقلب الاكتشاف اغترابًا.

ولا يمكن اعتبار “العالم الجديد”، فيلمًا عن الماضي فقط، فهو عن كل بداية مهددة بالفقدان. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في معنى التقدم، في علاقة الإنسان بالطبيعة، في حدود الحلم. فلغة ماليك الشفافة والبسيطة تخفي عمقًا فلسفيًا هائلًا، وتجعل من السينما مساحة تأمل لا تقل قيمة عن النصوص الفلسفية.

وبهذا المعنى، يظل الفيلم علامة فارقة في مسار تيرنس ماليك، وجزءًا من مشروعه الأكبر الذي سيستمر لاحقًا في فيلم “نحو العجب” (2012) وفيلم “فارس الكؤوس” سنة 2015، حيث يصبح السؤال الروحي أكثر تجريدًا. لكن فيلم “العالم الجديد”، يحتفظ بخصوصيته لأنه يعود إلى الحكاية الأولى، إلى لحظة الدهشة الأولى أمام أرض غير مكتشفة، وأمام قلب يظن أن الحب قادر على إيقاف الزمن.

إنه فيلم عن الحلم حين يكون بريئًا، وعن التاريخ حين يوقظنا من براءتنا، وعن الطبيعة التي تظل، رغم كل شيء، شاهدة على عبورنا العابر فوق ترابها.

من السيطرة إلى لحظة الارتباك

من أكثر المشاهد رسوخًا في الذاكرة السينمائية في فيلم “العالم الجديد”، لحظة وصول السفن الإنجليزية إلى شاطئ فيرجينيا، حين تقترب الكاميرا من الماء، من القصب ومن وجوه الهنود المندهشة. لا موسيقى بطولية ولا خطاب انتصار، فقط صمت ثقيل يسبق الاحتكاك الأول.

ولا يعتبر الأمر هنا مجرد “اكتشاف” أرض جديدة، وإنما سؤال: من يكتشف من؟ وتبدو الطبيعة كأنها تراقب الغرباء، والإنسان الأبيض يبدو هشًا أمام كثافة الغابة. ويعيد التعبير البصري في هذا المشهد صياغة فكرة الاستعمار من فعل سيطرة إلى لحظة ارتباك وجودي.

ثم يأتي مشهد لقاء جون سميث وبوكاهونتاس في الحقول المضيئة. وتدور الكاميرا حول الجسدين بخفة، الأشجار تتحرك مع الريح، والضوء الطبيعي يغمر الصورة. وهنا يبلغ الفيلم ذروة شعره البصري. ولا يُقدَّم الحب بوصفه ميلًا عاطفيًا فقط، وإنما بوصفه إمكانية لمصالحة عالمين، غير أن هذه الإمكانية تظل معلقة، هشة، لأن التاريخ يتربص بها. وتكمن الإشكالية المركزية في هذا المشهد في استحالة البراءة في سياق سياسي مشحون، حيث يصبح الجسد مساحة تفاوض بين ثقافتين، واللغة تعجز أحيانًا عن التعبير، فيحل الصمت محل الكلمات.

ومشهد آخر في الفيلم، وهو مشهد الأسر الذي تتعرض له بوكاهونتاس، يشكل لحظة انعطاف درامية وأخلاقية. فالغابة التي كانت فضاء حرية تتحول إلى ذاكرة بعيدة. وتصبح الكاميرا أكثر انضباطًا، والضوء أقل دفئًا، والإيقاع أبطأ. وهنا يطرح الفيلم قضية القوة بوصفها إعادة تشكيل للهوية، حين تُنتزع الشخصية من فضائها الطبيعي، هل تفقد ذاتها أم تعيد اختراعها؟ وهذا السؤال سيعود بصيغ مختلفة في أفلام لاحقة لماليك مثل “الخط الأحمر الرفيع”، حيث يتحول الجندي إلى كائن معلق بين الحياة والموت، وبين الطاعة والتمرد.

ومن المشاهد الجمالية أيضًا لحظة زواج بوكاهونتاس من جون رولف، حيث يبدو الاحتفال هادئًا، شبه رسمي، لكن الكاميرا لا تلتقط الفرح الظاهري بقدر ما ترصد التحول الداخلي. إننا أمام انتقال من حب عفوي إلى علاقة مؤطرة بقواعد المجتمع. ولا تعتبر القضية هنا مسألة خيانة عاطفية، وإنما سؤال البقاء. هل الاختيار الجديد هو خضوع أم شكل آخر من أشكال الحرية؟ لا يقدم ماليك إجابة حاسمة، وإنما يترك المشهد مفتوحًا على تأويلات متعددة.

أما المشهد الذي تجوب فيه بوكاهونتاس حدائق إنجلترا، فهو من أكثر اللحظات تعبيرًا عن صدمة الحضارة. والطبيعة هنا منظمة، مقلمة، محكومة بخطوط مستقيمة، تختلف جذريًا عن الغابة الحرة في فيرجينيا. وتتبعها الكاميرا وهي تلمس الأشجار كما لو كانت تبحث عن ذاكرة بعيدة. والفكرة في هذا المشهد تكمن في علاقة الإنسان بالمكان: هل يمكن للروح أن تتجذر في تربة جديدة دون أن تفقد نكهتها الأولى؟ وهذا السؤال الوجودي نجده يتكرر بصيغ روحية أعمق في فيلم “شجرة الحياة”، حيث يصبح المكان مرآة للوعي.

ثنائية الحلم والاستيلاب

ويقوم التعبير البصري في فيلم “العالم الجديد”، على ثنائية الضوء والظل، الحركة والسكون، الصوت والصمت. ويفضل ماليك الكاميرا المحمولة التي تلاحق الشخصيات من الخلف، كما لو أننا نتبع أثرها في الزمن. وهذه التقنية تمنح الإحساس بأننا داخل التجربة لا خارجها. ولا تُبنى المشاهد الجمالية عبر اللقطات الضخمة فقط، وإنما عبر التفاصيل الصغيرة: لمسة يد، نظرة عابرة، انعكاس ضوء على الماء.

وتتجاوز القضايا التي يثيرها الفيلم من خلال هذه المشاهد، التاريخ الأمريكي إلى أسئلة كونية حول اللقاء والاختلاف، حول الحلم والاستيلاب، حول معنى أن نبدأ من جديد. ولا يمثل العالم الجديد مجرد جغرافيا مكتشفة، فهو وعد أخلاقي لم يتحقق بالكامل. فكل مشهد جمالي في الفيلم هو تذكير بأن كل بداية تحمل في داخلها بذرة فقدان.

وبهذا المعنى يظل فيلم The New World، قصيدة بصرية عن الدهشة الأولى وعن الكلفة الخفية لكل اكتشاف. ولا تُحفظ مشاهدُه الجمالية لأنها جميلة فقط، وإنما لأنها تفتح في داخلنا سؤالًا مستمرًا عن علاقتنا بالأرض وبالآخر وبأنفسنا. إنها سينما ترى في الصورة طريقًا إلى الفكر، وفي الصمت لغة أبلغ من الخطب، وفي الطبيعة مرآة لقلق الإنسان الأبدي.

لعبة التوتر: العفوية والعقلنة

يتقدّم سؤال البطل في فيلم “العالم الجديد”، بوصفه سؤال هوية أكثر منه سؤال بطولة. فالبطل عند المخرج تيرنس ماليك، ليس شخصية ملحمية تصنع التاريخ، فهو كائن هشّ يتشكّل تحت ضغط المكان والزمن والذاكرة. ولا يمثل جون سميث فاتحًا تقليديًا، بقدر ما هو روح قلقة تبحث عن معنى لحياتها خارج انضباط المؤسسة العسكرية. ولا تمثل شخصية بوكاهونتاس أميرة أسطورية فقط، وإنما ذاتٌ تتفتح في تماس مباشر مع الطبيعة ثم تُلقى في فضاء غريب يعيد تشكيلها.

ولا يعتبر المكان في الفيلم إطارًا خارجيًا للأحداث، فهو البطل الموازي. ولا تؤسس الغابة مجرد مشهد طبيعي، فهي كيان حيّ يتنفس ويحتضن ويمنح الشخصيات شعورًا بالانتماء الأول. حين يتحرك سميث بين الأشجار وتلامس يداه الأعشاب، يبدو كأنه يكتشف ذاته بقدر ما يكتشف أرضًا جديدة، إذ يقول في أحد مونولوغاته الداخلية ما معناه: “هل هذه الأرض هي الجنة التي كنا نحلم بها؟” ويكشف السؤال أن المكان يتحول إلى مرآة لرغبة الإنسان في بداية نقية.

وفي المقابل، حين ينتقل السرد إلى إنجلترا، يصبح المكان منظمًا ومسيّجًا ومحمّلًا بالتراتبية الاجتماعية. الحدائق مقصوصة بعناية، والقصور صلبة، والوجوه محكومة ببروتوكول. وهنا يتبدل الإحساس بالحرية إلى إحساس بالاغتراب. وتمشي بوكاهونتاس في فضاء يبدو أنيقًا لكنه بارد. ويرمز المكان الأوروبي إلى العقلنة والسيطرة، بينما كانت الغابة ترمز إلى العفوية والانسجام. وهذا التوتر بين مكانين يوازي التوتر داخل الشخصية نفسها.

من البراءة إلى الوعي المؤلم

تتجلى الأبعاد الاجتماعية للفيلم، في تصوير لحظة تأسيس مجتمع استعماري يقوم على العمل القسري والجوع والخوف. وتبدو المستعمرة الإنجليزية هشّة، مفككة، والرجال فيها يتنازعون السلطة والمعنى. وهنا يولد المجتمع من رحم القلق لا من يقين أخلاقي. وفي المقابل، مجتمع القبيلة يُقدَّم بوصفه قائمًا على طقوس وانسجام داخلي، لكنه أيضًا ليس مثالياً. ولا يصنع ماليك ثنائية تبسيطية بين الخير والشر، وإنما يعرض بنى اجتماعية مختلفة تتصادم في لحظة تاريخية حاسمة.

ونفسيًا، تتجلى رحلة سميث في صراعه بين الانتماء إلى نظام عسكري صارم وبين انجذابه إلى حياة بدائية حرة. وهو يعيش انقسامًا داخليًا بين الواجب والرغبة، حين يقول في لحظة تأمل: “كنا نظن أننا سنجد الذهب، فوجدنا شيئًا آخر”. وتكشف هذه العبارة أن الاكتشاف الحقيقي ليس مادياً وإنما روحي. غير أن هذا الاكتشاف يظل مؤقتًا، لأن ذاكرة العالم القديم تشده إلى الوراء.

أما شخصية البطلة بوكاهونتاس فتخوض رحلة نفسية أعمق. فانتقالها من الغابة إلى المستعمرة ثم إلى إنجلترا هو انتقال من براءة إلى وعي مؤلم. في أحد أكثر المونولوغات تأثيرًا تقول: “علّمني أن أعرفك، علّمني أن أحبك”، في خطاب يبدو موجهاً إلى قوة عليا بقدر ما هو موجه إلى الحبيب. وهنا يتحول الحب إلى بحث عن معنى الوجود، لا مجرد علاقة عاطفية. وتجسد شخصيتها سؤال الهوية الأنثوية في سياق استعماري: كيف يمكن للمرأة أن تحافظ على روحها وسط إعادة تشكيل قسرية لثقافتها وجسدها وموقعها الاجتماعي؟

وعلى المستوى الرمزي، يمثل سميث نزعة الاكتشاف والرغبة في تجاوز الحدود، بينما تمثل بوكاهونتاس الأرض ذاتها، الطبيعة التي تُحب ثم تُمتلك ثم تُنقل إلى فضاء آخر. وزواجها من جون رولف يمكن قراءته كرمز لتحالف سياسي وثقافي، لكنه أيضًا رمز لتحول العالم الجديد من حلم بريء إلى مشروع إمبراطوري منظم. ويتحول المكان هنا من فضاء دهشة إلى فضاء استثمار.

وهذه الثيمات نجد صداها في أعمال أخرى لماليك كما في فيلم “أيام الجنة”، حيث تتحول الأرض الزراعية إلى حلم بالثراء ينتهي بالفقدان، وكأن المكان عنده دائمًا يحمل وعدًا بالجنة لكنه يخفي هشاشة الإنسان. وفي فيلم “الخط الأحمر الرفيع”، يتساءل أحد الجنود: “ما هذه الحرب في قلب الطبيعة الجميلة؟”. والسؤال ذاته يتردد في فيلم “العالم الجديد”: “ما هذا الطموح البشري في قلب غابة صافية؟”

ولا ينتصر البطل عند ماليك، وإنما يتأمل. والمكان لا يُحتل فقط، بقدر ما يكشف هشاشتنا أمام اتساعه. وتتداخل الأبعاد الاجتماعية والنفسية والرمزية لتجعل من “العالم الجديد”، ليس حكاية تاريخية عن بداية أمة، وإنما تأملاً في بداية كل إنسان حين يواجه أرضًا جديدة داخل روحه. وهنا تصبح السينما وسيلة لاكتشاف الداخل بقدر ما هي استعادة للماضي، ويغدو المكان كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه البطل مصيره، وتقرأ فيه الإنسانية سؤالها الأبدي عن الانتماء والمعنى.

ختاماً

في النهاية يظل “العالم الجديد”، أكثر من حكاية تاريخية عن لقاء قارتين. إنه تأمل عميق في معنى البداية، وفي هشاشة الحلم حين يلامس السلطة، وفي السؤال الأخلاقي الذي يرافق كل اكتشاف. ويتحول المكان إلى ذاكرة، والبطل إلى شاهد على فقدان البراءة الأولى. وتذكّرنا سينما تيرنس ماليك، بأن التاريخ ليس سرداً للوقائع فقط، فهو امتحان للروح. وكما يهمس أحد أصواته في فيلم “شجرة الحياة”: “أين كنت حين وضعت أسس الأرض؟” ويبقى السؤال معلقاً، لأن كل عالم جديد يحمل في داخله وعداً وندبة، بداية ونهاية في آن واحد.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا