اتهم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، في بيان مطول أصدره بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري، كلا من الجزائر وجبهة البوليساريو برعاية أنماط متجذرة وخطيرة من التمييز القائم على العرق والإثنية والهوية، مؤكدا أن هذه الممارسات تؤثر بشكل خاص على سكان مخيمات الصحراويين في تندوف فوق التراب الجزائري. وأطلق التحالف صوته في 21 مارس 2026، تخليدا لذكرى مجزرة شاربفيل، نيابة عن مجتمعات قال إن معاناتها لا تزال خارج نطاق الاعتراف في الخطاب العالمي لحقوق الإنسان.
وأوضح البيان الذي توصلت جريدة “العمق” بنسخة منه أن اختيار الأمم المتحدة لهذه الذكرى، التي تجسد معاناة السود في ظل نظام الفصل العنصري، يذكر بأن التمييز لا يتجسد فقط في القوانين الصريحة، بل يستمر عبر الإهمال الهيكلي وفرض حالة انعدام الجنسية والحرمان من الوثائق المدنية وتقييد الحركة وإسكات الأصوات المعارضة، وهي حقائق وصفها بأنها واقع يومي يعيشه الأشخاص الذين يمثلهم التحالف.
وكشف المصدر ذاته عن تفاصيل دقيقة حول ما تواجهه الفئات ذات البشرة السوداء والمهاجرون من منطقة الساحل والصحراء والأشخاص ذوو الأصل الإفريقي جنوب الصحراء في منطقة المغرب العربي، حيث وثق أنماطا من التمييز العنصري المتفشي، شملت الإنكار الممنهج للحق في الإقامة والتسجيل المدني والولوج إلى خدمات الصحة والتعليم على أساس الأصل العرقي والإثني، وهو ما يتفاقم في حالة مخيمات تندوف بسبب غياب أي إحصاء رسمي لتحديد هوية القاطنين وفرز الصحراويين من غيرهم ومعرفة احتياجاتهم الإنسانية الحقيقية.
وسجل التحالف أن هذه الفئات تتعرض لعمليات صد عنيفة وطرد جماعي، لا سيما في سياق الهجرة غير النظامية بالجزائر، معتبرا ذلك انتهاكا صارخا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” وللالتزامات الدولية، وأشار إلى أن التدخلات الأمنية وعمليات الطرد خلفت مآسي إنسانية وصلت إلى حد القتل الجماعي والتشريد والتيه في الصحاري حتى الموت.
وأكد البيان بشكل خاص على أن الإقصاء الاجتماعي المعزز بالأحكام المسبقة ضد الأشخاص ذوي البشرة السوداء يصل إلى ذروته بمخيمات تندوف، حيث تعاني هذه الفئة من الاستعباد والتعذيب والمعاملات المسيئة والحاطة بالكرامة. واستشهد التحالف ببلاغه العاجل الأخير الموجه إلى آليات الأمم المتحدة بخصوص حالة احتجاز وتعذيب الطفل القاصر مولود المحجوب واستمرار استعباد عائلته لعقود طويلة، منبها إلى غياب تام لإمكانية اللجوء إلى أي سبل انتصاف وطنية جزائرية فعالة.
وعزا البيان هذا الوضع إلى ما وصفه بـ “تفويض الدولة الحاضنة للمخيمات لولايتها القضائية لتنظيم البوليساريو العسكري”، الأمر الذي يوفر، بحسب التحالف، حماية لمسؤولي الجبهة من المتابعة الجنائية على الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبونها، بما في ذلك رعايتهم لأشخاص وجهات تمارس التمييز العنصري والاستعباد في أبشع صوره.
وأضاف المصدر أن هذه الممارسات لا تحدث بمعزل عن سياقها، بل تعكس تراتبيات تاريخية عميقة لم يتم الاعتراف بها أو تفكيكها بشكل كاف من قبل الدول المعنية، مشددا على أن غياب تشريعات وطنية لمكافحة التمييز في معظم دول المنطقة يترك الضحايا دون حماية قانونية.
ولفت التحالف الانتباه أيضا إلى استمرار معاناة منطقة القبايل في الجزائر من التمييز في ممارسة حقوقها اللغوية والثقافية والجماعية، ورغم وصفه المحاولات الدستورية للاعتراف بحقوقهم بـ “المحتشمة”، إلا أنه أكد أن فجوة التنفيذ لا تزال واسعة، حيث تعاني هويتهم ولغتهم الأمازيغية من ضعف التمويل والتهميش في الحياة الرسمية، فضلا عن الملاحقات القضائية التي يتعرض لها الناشطون المدافعون عن الحقوق الأمازيغية بموجب قوانين فضفاضة تستخدم لقمع التعبير الثقافي.
وفصل البيان في معاناة الأشخاص ذوي البشرة السوداء بمخيمات تندوف، مؤكدا أنهم يواجهون تقاطعا فريدا من التمييز العنصري والإثني والاجتماعي والثقافي والسياسي، ووثق ما يعانونه من ممارسات ضارة بحقوقهم وكرامتهم في فضاء وصفه بأنه “انتهاكي مغلق” أمام آليات التقاضي الوطني من طرف دولة الجزائر.
ونوه التحالف بما يتعرض له أعضاء منظمة “حرية وتقدم” من تضييق وتهديدات بسبب نضالهم لإسماع صوت فئة السود بالمخيمات وحمايتهم من الاحتجاز والتعذيب الممنهج، وكشف عن إحصاء 170 حالة عبودية بمخيمات تندوف منذ عام 2016، معتبرا أن هذا الرقم قد يكون أقل من الواقع بسبب غياب إمكانيات الرصد والتوثيق المؤسسي وصمت البوليساريو عن هذه الممارسات.
وتابع المصدر ذاته بتأكيده على ضرورة التصدي للاستهداف الممنهج للنشطاء والمدونين الصحراويين بالمخيمات على أساس هويتهم الإثنية ودفاعهم عن حرية الرأي والتعبير والتجمع، بالإضافة إلى التهميش الاقتصادي الموجه ضد فئات عريضة من الساكنة بسبب ما وصفه بـ “موجات النهب والتهريب الممنهج للمساعدات الإنسانية”.
وصنف التحالف كل هذه الأنماط على أنها تمظهرات للتمييز العنصري والإثني الهيكلي، ودعا بناء عليه الجمهورية الجزائرية إلى السماح بشكل فوري بمراقبة مستقلة لحقوق الإنسان دون قيود بمخيمات تندوف، معتبرا أن الوضع الإنساني والحقوقي يتطلب فحصا نزيها وصارما.
وشدد البيان على أن الفراغ القانوني المقترن بالحرمان من وثائق الهوية المعترف بها دوليا قد أدى إلى تكريس حالة من التيه القانوني وانعدام الجنسية العابر للأجيال، مما يضاعف من التمييز الإثني والاجتماعي المركب داخل المخيمات، لا سيما ضد فئة الأشخاص ذوي البشرة السوداء التي لا تزال تعاني من وصمة إرث العبودية والتهميش في الولوج إلى مراكز المسؤولية مهما كانت بسيطة، في ظل غياب مطلق لآليات الإنصاف والمساءلة.
وطالب التحالف الجزائر بالملاءمة الكاملة لتشريعاتها الوطنية مع المعايير الدولية، كما وجه عناية السلطات الجزائرية إلى ضرورة تبني تدابير للاعتراف بالاسترقاق التاريخي القائم على اللون ومعالجته، ودعا إلى ربط المنح التنموية الموجهة للجزائر بمدى تقدمها في مكافحة التمييز العنصري الهيكلي.
وشجع التحالف في ختام بيانه دول منطقة شمال إفريقيا على الامتثال لالتزاماتها الدولية، مشيرا إلى فجوة التنفيذ التشريعي والتلكؤ في تفعيل مسطرة الشكاوى الفردية، وافتقار الأنظمة القضائية، خاصة الجزائرية، للاستقلالية لمعالجة الانتهاكات، وهو ما يكرس بيئة من الإفلات من العقاب ويجعل من الرقابة الدولية ضرورة حتمية لحماية الفئات الهشة.
المصدر:
العمق