آخر الأخبار

ارتفاع أسعار المحروقات يضع أسطول "سيارات المصلحة" تحت المجهر

شارك

في ظل التقلبات الاقتصادية الراهنة والارتفاع المطّرد في أسعار المحروقات بمحطات المغرب عاد ملف “سيارات المصلحة” (سيارات الدولة) ليشكل مادة دسمة للنقاش العمومي.

ومع تزايد الضغوط على ميزانية الدولة والقدرة الشرائية للمواطنين تعالت أصوات فعاليات مدنية وحقوقية للمطالبة بـ”قطيعة حقيقية” مع مظاهر “الريع” في استغلال الأسطول العمومي من السيارات، التي يجب أن تظل حصرًا للاستخدام المهني، واعتماد آليات رقابية رقمية كفيلة بضمان حكامة جيدة وتدبير أمثل للمال العام.

الحكامة والفاعلية

تؤكد إلهام بلفحيلي، الفاعلة المدنية في الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، أن تدبير المحروقات المستهلكة من طرف سيارات الدولة يجب أن ينبني على مبدأ دستوري أصيل، وهو “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مع “ضرورة تفعيل مبدأ الحكامة كركيزة أساسية”.

وترى بلفحيلي، ضمن حديثها لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ترشيد هذا المجال كان ضرورة ملحة حتّى قبل الارتفاعات الحالية في الأسعار”، معتبرة أن ما يشهده الواقع من تبديد للمال العام ليس سوى نوع من “الريع المتفشي” الذي وجب القطع معه نهائياً، ومحذرة من أن “استمرار الوضع الحالي سيؤدي حتماً إلى تضاعف الضغط على ميزانية الدولة، وتزايد السخط المجتمعي الفاقدة بعضُ فئاته للثقة في مسؤولين عموميين”.

وفي ما يخص الحلول العملية تطرَح الفاعلة الجمعوية ذاتها “مقترحات عمليّة” تبدأ بـ”ضرورة تقليص أسطول سيارات الدولة بنسبة 50%، ليقتصر فقط على المهام الإدارية المستعجلة”، كما أثارت اقتراحَ “اعتماد نظام تحديد المواقع ‘GPS’ على كافة السيارات، مدعوماً بـ’دفتر تتبع’ دقيق يسجل المسارات لضمان عدم استغلالها خارج نطاق الوظيفة”، مشددة على “أهمية تقديم الدولة القدوة في حماية البيئة عبر استبدال الأسطول الحالي بسيارات كهربائية لخفض التكلفة الطاقية والمادية”.

وفي السياق ذاته انتقدت المتحدثة للجريدة، بحدّة، “الاستغلال الشخصي والحزبي لهذه السيارات”، واصفةً مشهد ركن “سيارات الدولة” أمام المقاهي ليلاً أو استخدامها في لقاءات حزبية بـ”الأمر المستفز” الذي يضرب ثقة الشباب في المؤسسات، وترى أن استمرار هذه الممارسات في وقت يعاني المواطن من تبعات تحرير المحروقات وغلاء المعيشة يعكس خللاً في منظومة العدالة الاجتماعية، حيث يواصل البعض استغلال سيارات المصلحة لأغراض شخصية بعيدة كل البعد عن روح المسؤولية.

وخلصت المصرحة إلى أن “تفعيل المراقبة ليس عائقاً تقنياً، فالعديد من السيارات المكتراة حالياً تتوفر أصلاً على أنظمة تتبع، بل العائق الحقيقي هو غياب إرادة سياسية وأخلاقية للتنفيذ”، داعية إلى محاسبة حقيقية تنهي حالة “الفساد الذي يحمي نفسه”، وفق توصيفها، ومؤكدة أن “استنزاف المال العام بهذا الشكل الفج لم يعد مقبولاً تحت أي ظرف من الظروف، ويتطلب حزماً في تنزيل القوانين على أرض الواقع”.

رقمنة شفافة

سجل عبد الإله الخضري، فاعل حقوقي وباحث أكاديمي، “أهمية التوجه الحكومي نحو إرساء نظام رقمي لتتبع نفقات الموظفين”، معتبراً إياه “خطوة أولية نحو تعزيز الحكامة”؛ ومع ذلك يرى أن هذه الخطوة “ستظل منقوصة ما لم تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة قائمة على الشفافية المطلقة، ومرتبطة بآليات واضحة للمحاسبة تضمن عدم إفلات المتجاوزين من الجزاء، بعيداً عن الحلول الترقيعية”.

وربَط الخضري هذا الملف بالسياق الدولي المتقلب، حيث تشير التوقعات إلى “منحى تصاعدي في أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما ينعكس مباشرة على المغرب لاعتماده الكبير على الاستيراد الطاقي”؛ هذا الوضع، بحسبه، يفرض “استنفاراً وطنياً لترشيد النفقات، لأن أي زيادة في كلفة المحروقات العمومية تعني ضغطاً إضافياً على القدرة الشرائية للمواطنين، ما يضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية واقتصادية جسيمة”.

وفي صلب نقاش العدالة الاجتماعية يوضّح المصرح عينه لهسبريس أن “نفقات سيارات الدولة لا تتوقف عند المحروقات، بل تمتد لتشمل الصيانة وسوء الاستعمال، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول نجاعة تدبير المال العام الذي يمثل رصيداً مشتركاً للمجتمع”، مبرزا أن “مطالبة المواطنين بتحمل تبعات الغلاء في مقابل استمرار الاختلالات في تدبير أسطول السيارات يمس بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويقوض مبدأ التضامن الوطني في مواجهة الأزمات”.

الحقوقي ذاته اختتم رؤيته بالتأكيد على أن “المرحلة تقتضي الانتقال من الإجراءات الظرفية إلى سياسات مستدامة ترتكز على الرقمنة الشفافة، ونشر المعطيات بشكل دوري للعموم”، مشددا على “ضرورة تقليص الأسطول الإداري إلى الحد الأدنى الضروري، ومنع كافة أشكال الاستعمال غير الرسمي، مع تسريع الانتقال نحو حلول طاقية بديلة”؛ كما يرى أن “ترشيد هذه النفقات أضحى ضرورة ملحة تقتضي إرادة سياسية قوية لتعزيز الثقة في المؤسسات وتكريس مبادئ دولة الحق والقانون”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا