في وقت تعرف قضية الصحراء المغربية تحولات دبلوماسية وسياسية متسارعة على المستوى الدولي، خرج خطري أدوه، السفير المزعوم للبوليساريو لدى الجزائر، بتصريحات أعاد فيها التأكيد على الخطاب التقليدي للجبهة القائم على الاستفتاء والاستقلال. ففي حواره مع جريدة الشروق يوم 11 مارس 2026، قال إن «لا استقرار في المنطقة من دون تمكين الصحراويين من استقلالهم»، مضيفًا أن «استفتاء تقرير المصير هو السبيل الذي يمكن من خلاله الشعب الصحراوي من تقرير مصيره»، كما شدد على أن الجبهة «لن تنخرط في أي مسعى يناقض التوجه الذي يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بما يضمن تحقيق الاستقلال».
هذه التصريحات تعيد إنتاج اللغة السياسية نفسها التي لازمت خطاب البوليساريو منذ عقود، لكنها تأتي في سياق دولي مختلف تمامًا. وخلال الأشهر الأخيرة، لم يعد النقاش حول النزاع يدور في الإطار التقليدي ذاته، بل بدأ يتحرك داخل مسارات دبلوماسية وقانونية جديدة تعكس تحولًا تدريجيًا في المقاربة الدولية للقضية.
فقد شهدت الفترة الماضية مشاورات سياسية جرت لأول مرة بمشاركة جميع الأطراف المعنية بالنزاع، بما فيها الجزائر، في إطار لقاءات غير رسمية انعقدت في مدريد ثم في الولايات المتحدة تحت رعاية أمريكية. وتركزت هذه اللقاءات أساسًا حول مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، باعتباره قاعدة للنقاش السياسي وإطارًا واقعيًا لتسوية النزاع.
لقد جاءت هذه الدينامية في سياق القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي أعاد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول للطرفين، مع الإشارة إلى أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل أساسًا جديًا وذا مصداقية للمفاوضات.
في هذا السياق، يبدو الخطاب الذي قدمه المدعو خطري أدوه في حواره مع الشروق منفصلًا عن التطورات الدبلوماسية الجارية، فهو يؤكد أن الجبهة لن تقبل بأي حل «لا يضمن استقلال الصحراء الغربية»، في حين تشير التحركات الدولية الأخيرة إلى أن النقاش بات يتحرك في اتجاه مختلف، يقوم على البحث عن تسوية سياسية واقعية للنزاع بدل إعادة طرح الصيغ الخيالية التي استُهلكت سياسيًا لعقود.
لكن التحول الأكثر لفتًا للانتباه لا يتعلق فقط بالمسار الدبلوماسي، بل أيضًا بما بدأ يتشكل داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية خلال العامين الأخيرين. ففي 24 يونيو 2025 تم تقديم مشروع القانون H.R. 4119 داخل مجلس النواب الأمريكي تحت عنوان Polisario Front Terrorist Designation Act من طرف النائب الجمهوري جو ويلسون، وبمشاركة النائب الديمقراطي جيمي بانيتا. وهذه الصيغة المشتركة بين الحزبين ليست تفصيلًا ثانويًا، لأن النصوص المرتبطة بالأمن القومي حين تحظى بدعم جمهوري وديمقراطي في آن واحد تكتسب وزنًا سياسيًا ومؤسساتيًا كبيرًا داخل الكونغرس.
وقد أحيل المشروع إلى لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء في مجلس النواب، وما يزال حتى مارس 2026 في مرحلة الدراسة، غير أن أهميته تكمن في مضمون الإجراءات التي يقترحها. فالنص يطلب من وزير الخارجية الأمريكي، إذا أصبح قانونًا، إعداد تقرير خلال 180 يومًا حول جبهة البوليساريو يشمل قيادتها وهيكلها التنظيمي وعملياتها العسكرية ومصادر تمويلها وداعميها الخارجيين وعلاقاتها المحتملة مع منظمات مصنفة إرهابية.
وبعد ذلك يمنح المشروع 90 يومًا إضافية لوزارة الخارجية ووزارة الخزانة لتحديد ما إذا كانت الجبهة تستوفي شروط تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي. وفي حال تم هذا التصنيف، فإن الإجراءات الممكنة تشمل تجميد الأصول المالية، وحظر السفر الدولي، وإدراج القيادات ضمن قوائم العقوبات، وتفعيل عقوبات مالية بموجب Global Magnitsky Act والأمر التنفيذي 13224 المتعلق بتمويل الإرهاب.
ويستند المشروع في تبرير هذه الخطوة إلى قسم يسمى Findings يتضمن مجموعة من المعطيات التي تشكل الأساس القانوني للنص التشريعي. ويورد هذا القسم ستة عناصر رئيسية استند إليها النواب لتبرير طلب إجراء تقييم رسمي:
(1) جبهة البوليساريو، التي تأسست سنة 1973، هي جماعة انفصالية تنشط أساسًا في الصحراء الغربية وفي منطقة تندوف بالجزائر، وتسعى إلى استقلال الصحراء الغربية عن السيادة المغربية.
(2) لجبهة البوليساريو تاريخ موثق من الروابط الأيديولوجية والعملياتية مع إيران، وهي دولة مصنفة راعية للإرهاب. ويعود ذلك على الأقل إلى سنة 1980 عندما ظهر مقاتلو البوليساريو علنًا وهم يحملون صور آية الله روح الله الخميني في محاولة لاكتساب مصداقية ثورية والحصول على رعاية إيرانية.
(3) وفقًا لما أوردته مجلة Jeune Afrique، خدم ثلاثة ضباط من حزب الله كمدربين في مخيمات تندوف سنة 2018. وأحد هؤلاء المدربين المذكورين، الذي قُتل لاحقًا في غارة جوية إسرائيلية في سوريا في نوفمبر 2023، كان قد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات لدوره في تنسيق هجوم كربلاء سنة 2007 في العراق الذي أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين.
(4) يذكر أن الدعم الإيراني قد تطور من التدريب إلى توفير معدات قتالية فتاكة. ففي بث مباشر سنة 2022 صرح ما يسمى «وزير داخلية البوليساريو» عمر منصور بأن مقاتليه كانوا يتدربون على تجميع وتشغيل طائرات مسيرة مسلحة. وبعد عام، أظهرت صور نشرت عبر قنوات التواصل الاجتماعي التابعة للبوليساريو ذخائر من طراز إيراني، وهو ما أكدته أبحاث مفتوحة المصدر متخصصة في تتبع الأسلحة.
(5) ذكرت صحيفة Washington Post في أبريل 2025 أن إيران قامت بتدريب مقاتلين من جبهة البوليساريو وتزويدهم بطائرات بدون طيار (UAVs)، مما عمّق المخاوف بشأن تنامي قدرات الجماعة ودعمها الخارجي.
(6) شارك الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو تنظيم مصنف إرهابيًا، في اجتماع للجبهة بعنوان «قمة التضامن الصحراوي» عقد في المخيمات الصحراوية خلال الفترة ما بين 4 و7 يناير 2025.
كما يتضمن النص التشريعي نفسه بندًا يسمح للرئيس الأمريكي بتعليق التصنيفات والعقوبات المقترحة إذا تبين أن جبهة البوليساريو منخرطة بحسن نية في مفاوضات لتنفيذ مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب إلى مجلس الأمن سنة 2007.
هذه المعطيات لا تمثل حكمًا قانونيًا نهائيًا ضد الجبهة، لكنها تشكل الأساس الذي يطلب الكونغرس بناءً عليه إجراء تقييم رسمي لتحديد ما إذا كانت البوليساريو تستوفي شروط تصنيفها كمنظمة إرهابية.
وقد بدأ المشروع يكتسب دعمًا متزايدًا داخل الكونغرس. فبعد تقديمه من طرف جو ويلسون بدعم من جيمي بانيتا، انضم عدد من النواب إلى قائمة الداعمين، قبل أن يلتحق به مؤخرًا دون بيكون ثم كلوديا تيني في مارس 2026، وهو ما رفع عدد النواب الموقعين إلى عشرة أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وفي تطور موازٍ، انتقل النقاش إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث قدم السيناتور تيد كروز في 11 مارس 2026 مشروع القانون S.4063 بدعم من السيناتورين توم كوتون وريك سكوت. ويركز هذا النص على فرض عقوبات في حال تأكد تعاون البوليساريو مع منظمات مرتبطة بإيران. وقد حذر كروز من أن طهران تحاول تحويل الجبهة إلى ما وصفه بـ «حوثي غرب إفريقيا».
حتى الآن لم يصدر أي قرار رسمي عن الإدارة الأمريكية بتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، لكن مجرد طرح هذا الموضوع داخل مجلس النواب ومجلس الشيوخ في الوقت نفسه يمثل تحولًا مهمًا في طبيعة النقاش حول النزاع.
غير أن التداعيات المحتملة لهذا المسار لا تتوقف عند البوليساريو وحدها. فالقانون الأمريكي لا يقتصر في آثاره على التنظيم المصنف، بل يمتد أيضًا إلى الجهات أو الدول التي تقدم دعمًا ماديًا أو لوجستيًا لمنظمة مصنفة إرهابية.
وبما أن البوليساريو تنشط أساسًا من مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية، وتحظى منذ سنوات طويلة بالدعم السياسي واللوجستي من الجزائر، فإن أي تصنيف محتمل قد يضع هذا الدعم تحت مجهر قانوني وسياسي دولي شديد الحساسية.
ففي حال تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، فإن الجزائر قد تجد نفسها عمليًا في موقع الدولة التي تؤوي وتدعم تنظيمًا إرهابيًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تداعيات ثقيلة على الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي والمالي، بدءًا من العقوبات الفردية، مرورًا بتقييد التعاون الأمني والمالي، وصولًا إلى إدراج كيانات أو مسؤولين ضمن أنظمة العقوبات الأمريكية.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن ملف الصحراء يشهد اليوم تحولات متسارعة على عدة مستويات: مسار أممي يتجه نحو حل سياسي واقعي قائم على الحكم الذاتي، ومبادرات دبلوماسية جديدة تشارك فيها جميع الأطراف، ونقاش تشريعي في واشنطن يطرح لأول مرة احتمال تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية.
في المقابل، يظل الخطاب الذي تواصل بعض قيادات البوليساريو ترديده يدور حول مفاهيم تعود إلى مرحلة مختلفة من النزاع. وبينما تتحرك المعادلات الدولية في اتجاه جديد، يبدو هذا الخطاب وكأنه يتحدث من زمن سياسي آخر.
وفي عالم السياسة الدولية، لا تقاس قوة المواقف بصلابة الشعارات، بل بمدى انسجامها مع موازين القوى والتحولات الجارية. وعندما ينتقل ملف من مجال النزاع الدبلوماسي إلى دائرة التقييم الأمني والقانوني، فإن قواعد التعامل معه تتغير جذريًا. فهنا لم يعد النقاش محكومًا بالبيانات السياسية أو الخطابات التقليدية، بل بمنطق المؤسسات والقوانين وآليات العقوبات الدولية، حيث تصبح الوقائع الموثقة والملفات القانونية هي التي ترسم حدود الحركة وتحدد مآلات الصراع.
المصدر:
هسبريس