أفاد زكرياء كارتي، محلل اقتصادي ومالي، بأن المغرب “لا يتوفر على بنية للأمن الطاقي، ولا يتكئ على احتياطيات استراتيجية حقيقية، بينما الالتزام القانوني بـ60 يوما من المخزون لم يُحترم قطّ منذ عام 1973″، ضاربا المثل بالقدرة التخزينية الفرنسية، مبرزا أن المملكة “لا تتوفر على مصفاة، فقد أُغلقت سامير عام 2015 دون أن تُستبدل، وليس بحوزتنا أي إطار مؤسساتي مخصص لإدارة ذلك المخزون إن وجد”.
وأشار كارتي، في مقال توصلت به جريدة هسبريس بعنوان: “المحروقات: بحثا عن احتياطاتنا الوهمية!”، إلى أن الأزمة الإيرانية التي انفجرت في وجه كل الاقتصادات العالمية تعد “فرصة نادرة للدفع بإنجاز ما تُتيح لنا الأوضاع الاعتيادية الهادئة دائما ترف تأجيله”، وتابع: “بينما نراقب مآلات الصعيد الكبير وغير المحسوب في الشرق الأوسط، هناك ورشتان يجب أن تُفتحا على نحو مستعجل (…) في المغرب ولا يجب أن تكون المباشرة في إنجازهما مثارا لأي جدل وحسابات سياسية”؛ تتعلق الورشة الأولى بالأساس بتصورات “مؤسسية ومالية”، فيما تكون الورشة الثانية “جبائية”.
“تتوفر فرنسا على احتياطيات نفطية استراتيجية تكفي لـ108 أيام، ونحن قادرون على مواجهة أي انقطاع في الإمدادات على أمد أطول”؛ مر هذا التصريح لوزير الاقتصاد الفرنسي، رولان لوسكور، على قناة “BFMTV”، خاطب به الفرنسيين مطمئنا في اليوم التالي لإغلاق مضيق هرمز، دون أن يلتفت إليه أحد في بلادنا أو يُحدث أثرا يُذكر، فإعلان سياسي واقتصادي بهذه الثقة لم يكن ينبغي أن يقرأ بتمعن فقط في بلادنا بل أن يتردد صداه بحجم زلزال سياسي لأنه يكشف الكثير من المستور والمسكوت عنه في استراتيجيتنا الطاقية الوطنية.
ببساطة وفي مفارقة صارخة، تُقابلُ هذا الرقم الذي يشهره الفرنسيون في وجه رأيهم العام: 108 أيام، بل 118 يوما وفق المنهجية الصارمة التي تعتمدها وزارة الاقتصاد الفرنسية، هوّةٌ سحيقة تفصل الاستعداد الفرنسي عن الواقع المغربي، وفي هذه الأثناء، يتجاوز الغازوال في محطات الوقود عبر ربوع الوطن 13 درهما للتر، وربما يبلغ 15 درهما، دون أي مظلة حماية مؤسسية تخفف الصدمة أو تمتصها إلى حين، ودون شبكة أمان تهدئ روع المستهلكين، ودون خطة بديلة واضحة المعالم، في وقت تخبرنا التقديرات بالأسوأ، فالمخزون الفعلي المغربي يقل عن 30 يوما لا غير.
ولنقلها صراحة: لا نتوفر في المغرب على بنية للأمن الطاقي، ولا نتكئ على احتياطيات استراتيجية حقيقية، بينما الالتزام القانوني بـ60 يوما من المخزون لم يُحترم قط منذ عام 1973، لا نتوفر على مصفاة، فقد أُغلقت سامير عام 2015 دون أن تُستبدل، وليس بحوزتنا أي إطار مؤسساتي مخصص لإدارة ذلك المخزون إن وجد، هذا المشهد المربك ليس مرده إلى شح في الموارد، بل هو ببساطة فراغ ناتج عن إخفاق مزدوج لا بد من تشخصيه وتسليط الضوء عليه والاعتراف به بمرارة، ولكن دون مواربة.
ولعلنا في خضم هذا الوضع الحرج لسببين، أولهما: إخفاق الحكومات المتعاقبة في ممارسة دور رقابة صارم حين يتعلق الأمر بأمن التموين، فالعقوبات المنصوص عليها في القانون لم تُطبَّق قط، ولم تُعتبر يوما هذه القضية بالغة الحساسية أولوية مؤسساتية.
أما مكمن الخلل الثاني: فهو إخفاق واضح للقطاع الخاص؛ إذ يقع على موزعي المحروقات أنفسهم التزام قانوني بتشكيل هذه المخزونات والمحافظة عليها، وقد أخلّوا بهذا الالتزام لوقت طويل دون محاسبة، وهكذا الدولة لم تراقب، أما المشغّلون فلم يُنفذوا تعهداتهم، وظل الجميع في دائرة الأمان المريحة دون أن يطرح أحد بجدية هذا السؤال: ماذا سيحدث لو توقفت الإمدادات؟
لكن استكمال هذا التشخيص لمكامن العطب في خطتنا الطاقية الوطنية قد يستدعي أيضا ألّا نقفز على حقيقة أخرى: فقد أحسن المغرب إدارة الاستراتيجية الطاقة بوصفها رهانا سياديا حين تعلق الأمر بالإنتاج، حيث استثمرت المليارات في الطاقة الشمسية والطاقة الريحية، وبنى المغرب مزيجا طاقيا متجددا يُضرب به المثل في القارة، وأظهر طموحا يتجاوز 50% من الطاقات المتجددة في الطاقة المركّبة المنشودة بحلول 2030: هذا الرصيد حقيقي وملموس وتؤكده الأرقام ويستحق الاعتراف، لكن للأسف هذه الرؤية الاستراتيجية توقفت عند الإنتاج، ولم يتطاول طموحنا الوطني نحو البحث عن أسباب الصمود حين تقع الأزمة الكبرى، لم نسأل مرة أخرى أنفسنا بجدية وصرامة: ماذا يحدث لو انقطعت إمدادات المحروقات التي تعتمد عليها البلاد اعتمادا تاما لتلبية احتياجات التنقل والنقل؟ الإنتاج الطاقي السيادي: لا شك كان أولوية، أما أمن التموين والإمدادات فلم يكن كذلك وسقطنا في الخطأ الجسيم.
وهكذا على مدى عقود، لم يتكبد صانع القرار السياسي والاقتصادي عناء طرح السؤال الصعب بالجدية الكافية على المستوى المؤسساتي: “ماذا سيحدث لو توقف الإمداد والتموين؟”، بدا واضحا أن المغرب حين تعلق الأمر بالشراء والبيع والاستيراد والتوزيع: بنى لوجستيك تدفق ولم يشيد بنية أمن طاقي. وبهذا المنطق، الأزمة الإيرانية لم تخلق هذا المطب حيث نتأرجح هذه الأيام، بل فقط جعلت مواصلة تجاهله أمرا يتعذر الاستمرار فيه.
وأقترح لفهم وتحليل حجم هذا التأخر العودة لنفحص ما شيّدته فرنسا خلال أربعين عاما، وهي تواجه الصدمة ذاتها من المسافة الجغرافية عينها.
يقوم النموذج الفرنسي على مثلث مؤسسي يضم ثلاثة أطراف: “SAGESS” (الشركة المساهمة لإدارة مخزونات الإمداد)، المُنشأة عام 1988، هي المشغّل الفعلي لـ13 مليون طن من المنتجات النفطية الموزعة على مواقع عدة في فرنسا، بتمويل يعتمد بنسبة 90% على السندات مع تصنيف “AA” من وكالة “S&P”، ونموذج خفيف الأصول بالكامل لا تمتلك فيه أي منشأة بصفة مباشرة، ملكيتها خاصة (تعود للمشغلين النفطيين أنفسهم) لكن حوكمتها مُقيَّدة بمندوب حكومي يتمتع بحق النقض في مجلس الإدارة؛ وهكذا لا يمكن اتخاذ أي قرار استراتيجي دون الموافقة الضمنية للدولة، وقد كانت هذه هي الإجابة الفرنسية على السؤال الجوهري: كيف يمكن أن تعهد بأصل استراتيجي إلى أطراف خاصة دون أن تفقد السيطرة؟ كان الحل ليس بالتأميم، بل بإدراج قفل سيادي داخل هيكل من القانون الخاص.
بين “SAGESS” والمشغلين، تتوسط “CPSSP” (اللجنة المهنية للمخزونات النفطية الاستراتيجية) بوصفها حلقة وصل: يفوّض كل مشغّل إليها التزامه القانوني بتكوين المخزونات، فتنقل “CPSSP” هذا الالتزام إلى “SAGESS” وتدفع لها مقابلا ماليا. الحوكمة الهجينة العامة-الخاصة لـ”CPSSP” (13 عضوا في مجلس الإدارة) تضمن الانسجام بين المنطق الصناعي ومتطلبات الأمن الوطني. وفوق هذا المثلث الوطني، تستفيد فرنسا من مستوى ثانٍ من الحماية: عضويتها في وكالة الطاقة الدولية التي يمكن لـ31 دولة عضوا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن تُطلق مخزوناتها بصورة منسقة في أوقات الأزمات، كما جرى عام 2022 إبان الحرب في أوكرانيا حين ضُخت عشرات الملايين من البراميل في الأسواق، وفي 11 مارس 2026 قرر أعضاء وكالة الطاقة الدولية ضخ 400 مليون برميل في السوق.
هناك آلية ضريبية يجهلها كثير من المغاربة، لكنهم يدفعون ثمنها في كل ارتفاع للأسعار، هي ضريبة القيمة المضافة على الوقود، المحددة في 10%، مرتبطة بسعر البيع، وهذا التفصيل في سياقنا الحالي يغير كل شيء، فحين ينتقل الغازوال من 10 إلى 13 درهما للتر، ترتفع حصيلة الدولة من الضريبة بما يقارب 30 سنتيما، وهكذا كل صدمة نفطية تُشكل (وفي تناقض صارخ) مكسبا للخزينة، وبينما المواطن والمقاولة يتحملان أعباء ارتفاع الأسعار، الخزينة تجني ثمار الأزمة.
ربما قد نحتاج فقط القليل من الجرأة لاجتراح الحلول، وفي هذا السياق قد يكون الإصلاح بسيطا في مبدئه، فالضريبة الداخلية للاستهلاك (TIC) المحددة حاليا في 3.76 درهما للتر بالنسبة للغازوال و2.42 درهما للبنزين، هي ضريبة تُحتسب على الحجم، مستقلة عن سعر البرميل وتُدر عائدا ثابتا بصرف النظر عن مستوى الأسواق، وهذا نقيض ضريبة القيمة المضافة، وما قد نقترحه هو التالي: إلغاء ضريبة القيمة المضافة على الوقود، ورفع الضريبة الداخلية للاستهلاك إلى مستوى مُعايَر يكفل الحياد الجبائي للدولة عند سعر مرجعي للبرميل بـ65 دولارا (المستوى المقابل لسوق بلا توترات جيو-سياسية). دون هذا الحد، تجني الدولة عبئا ضريبيا أعلى مما تحصّله اليوم، وبالإضافة إليه، لا تُدر الزيادة في سعر البرميل دخلا إضافيا للدولة، وبهذا يكون المستهلك محميا من التضخيم التلقائي.
هذه المعادلة الضريبة لا تهدف لحرمان الدولة من موارد مهمة لسياستها الاجتماعية، لكنها آلية قد تكون ناجعة تمنع من أن تجهز كل أزمة نفطية على القدرة الشرائية للأسر وتسحبها لتدهور صامت لا يعرف أين يمكن أن يتوقف، في لحظة جيو-سياسية بالغة الحساسية والتعقيد يبدو معها النظام الدولي مفتوحا على سيناريوهات غير متوقعة.
وهكذا إن كانت الحسابات تحتاج إلى مزيد من التدقيق، فإن الضريبة الداخلية للاستهلاك على الغازوال ينبغي أن ترتفع من 3.76 إلى ما يقارب 4.50 درهما للتر، ومن 2.42 إلى ما يقارب 3.40 درهما للتر بالنسبة للبنزين، بهذا المعنى الخسارة الجبائية للدولة على المدى البعيد تكاد تكون معدومة، أما حماية المستهلك فآنية ومتصاعدة مع ارتفاع سعر البرميل: من ما يقارب 0.50 درهما للتر من الغازوال عند 80 دولارا، إلى ما يقارب 0.80 درهما للتر عند 120 دولارا. وهكذا كلما اشتدت الصدمة، زادت الحماية التي يوفرها هذا الإصلاح.
قد توفر الأزمة الإيرانية التي انفجرت في وجه كل الاقتصادات العالمية فرصة نادرة للدفع بإنجاز ما تُتيح لنا الأوضاع الاعتيادية الهادئة دائما ترف تأجيله، وبينما نراقب مآلات الصعيد الكبير وغير المحسوب في الشرق الأوسط، هناك ورشتان يجب أن تُفتحا على نحو مستعجل هنا في المغرب ولا يجب أن تكون المباشرة في إنجازهما مثارا لأي جدل وحسابات سياسية.
الورشة الأولى بالأساس مؤسسية ومالية، فمادام العائق الرئيسي أمام تطوير المخزونات الاستراتيجية المغربية لا يتعلق في جوهره بالميزانية، بل ذو طابع هيكلي محض، ففي بلادنا لا يوجد هيكل مؤسسي وطني قادر على تجميع تلك المخزونات والإفصاح عنها، والنموذج المُراد إنشاؤه في هذا السياق هو شركة مساهمة مخصصة، يتكوّن رأسمالها من موزعي المحروقات العاملين في السوق الوطنية، حيث هؤلاء المشغلون لديهم أصلا التزام قانوني بالاحتفاظ بمخزونات؛ وعوض إلزامهم بإدارة منشآتهم كل على حدة بصورة مُجزّأة ومنفصلة، يؤطر هذا الهيكل هذه العملية ويضع الشروط والالتزامات وأشكال التدبير، ويرفع ديونه في أسواق رأس المال مع ضمان من الدولة يُخفّض تكلفة التمويل دون أن يُثقل الميزانية العامة بإنفاق مباشر.
وحجر الزاوية في هذا الجهاز هو القفل السيادي إن صح التعبير: مندوب حكومي في مجلس الإدارة بحق النقض. الدولة لا تُرهن ميزانيتها، بل تُقرض توقيعها. وهكذا تولد “SAGESS” مغربية (ولو أن “الحكمة” المغربية بمعناها المجازي خصلة ضاربة في عمق القدم في ثقافتنا المغربية الوطنية).
الورشة الثانية جبائية: وذلك عبر إصلاح “TVA/TIC” المذكور آنفا وينبغي إدراجه في قانون المالية القادم؛ إذ إن كلفته في الميزانية عند السعر المرجعي تكاد تكون معدومة، ولكن شرعيته آنية.
أما القاسم المشترك بين هاتين الورشتين فيمكن أيضا البناء عليه، كلاهما لا تستلزمان موارد استثنائية ولا تكنولوجيا بعيدة المنال، لكنهما ببساطة بحاجة إلى قرار واحد: استكمال ما بدأه المغرب، ولكن هذه المرة بتصميم أكبر على الإنجاز واستفادة من أخطاء الماضي، فلقد استثمرت بلادنا في إنتاج الطاقة السيادية بطموح وانسجام لافت، لكنها مطالبة الآن ودون تأجيل بأن تستثمر بالصرامة ذاتها في أمن تمويناتها الطاقية، وكلا المسارين لا ينفصلان ولا يستقيم نجاح أحدهما دون الآخر، دون ذلك نحن لا نبني سياسة طاقية بل للأسف سياسة تعتريها الشروخ من كل صوب، وهي سياسة منقوصة لا يمكن التعويل عليها.
أما الورشة الثالثة فهي الأكثر تعقيدا بلا منازع: إعادة تشغيل سامير.
المصدر:
هسبريس