فاطنة لويزا ـ كود//
وحنا اليوم على بعد شهور قليلة من الانتخابات، والأحزاب السياسية كتهيّأ باش تقدم البرامج الانتخابية ديالها للمغاربة. هاد البرامج، فالأصل ديالها، خاصها تكون بمثابة واحد التعاقد واضح بين الأحزاب والمواطنين. تعاقد كيقول للناس: هادي هي الوعود ديالنا، وهادي هي الحلول اللي كنقترحوها للمشاكل اللي كتعاني منها البلاد، وهاد الشي هو اللي غادي ندافعو عليه إلا وصلنا لمواقع القرار.
ولكن السؤال اللي كيتطرح اليوم هو: واش فعلاً هاد البرامج غادي تجاوب على الأسئلة الحقيقية اللي كيتعايشو معها المغاربة كل نهار؟
حيت الواقع كيقول بأن المغاربة عندهم عشرات الأسئلة اللي كتطرح يوميا فالمجال الاجتماعي والاقتصادي.. أسئلة على الشغل، على القدرة الشرائية، على الصحة، على التعليم، على السكن، وعلى العدالة بين الجهات والمناطق.. أسئلة كتخص الحياة اليومية ديال الناس، وكتخص حتى الإحساس ديالهم بالكرامة وبالإنصاف..
المشكل أن بزاف من هاد الأسئلة بقات لسنوات طويلة كتدور بلا أجوبة سياسية واضحة ومقنعة.. ومع الوقت، ما بقاتش غير تساؤلات اجتماعية، بل تحولات لمطالب احتجاجية وسياسية. مطالب خرجات فموجات مختلفة من الحراكات الاجتماعية اللي عرفها المغرب، وآخر تعبير عليها بان حتى فالنقاشات والاحتجاجات اللي احتضنها ما أصبح البعض كيسمّيه حركة جيل Z، حيث جزء من الشباب بدا كيعبر على الغضب ديالو مباشرة فالشارع، أو عبر المواقع الاجتماعية..
من هنا كيبان أن المغرب ماشي غير قدام موعد انتخابي عادي، ولكن قدام لحظة سياسية واجتماعية مهمة.. لحظة كتطرح سؤال كبير ..
واش المؤسسات السياسية قادرة فعلا تستوعب التحولات اللي كيعرفها المجتمع.. ولا أن الشارع ـ الزنقة، الدرب، الدوار، الحومة ـ ولى هو الفضاء البديل للتعبير السياسي والاجتماعي ..
اليوم اللي كيتابع المشهد الاجتماعي والسياسي فالمغرب يقدر يلاحظ بسهولة أن طريقة الاحتجاج تبدلات بشكل كبير وواضح فالسنوات الأخيرة. الاحتجاج ما بقاش هو داك الفعل اللي كان كيتم غالبا داخل الأحزاب والنقابات والجمعيات، بل ولى كيظهر أكثر عبر حركات احتجاجية مستقلة. تنسيقيات فئوية (التعليم – طلبة الطب – الممرضين ) ومبادرات شبابية كتتولد مباشرة من الشارع أو من الفضاء الرقمي..
هاد التحول ماشي غير تبديل فالشكل، بل هو تعبير عن تحول أعمق فالعلاقة بين المجتمع والسياسة.. بمعنى آخر المغرب اليوم كيشهد انتقال تدريجي من “الاحتجاج المؤطر” إلى “الاحتجاج المستقل”.. اللي كيستمد الشرعية ديالو مباشرة من الميدان، وما بقاش كيسنى الوساطة ديال الأحزاب ولا النقابات ولا حتى الجمعيات باش يعبر على المطالب ديالو..
باش نفهمو هاد التحول، خاصنا نرجعو شوية لتاريخ الاحتجاج فالمغرب. البلاد عرفت تاريخ طويل من الحركات الاجتماعية، من انتفاضات المدن فالثمانينات والتسعينات المرتبطة بغلاء المعيشة والبطالة، حتى وصلنا للمحطة ديال 20 فبراير..
هاد الحركة كانت لحظة سياسية فارقة فالتاريخ القريب ديال المغرب. آلاف الشباب خرجو للشوارع فمدن كثيرة، ورفعو شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. ورغم أن الزخم ديالها نقص مع الوقت، إلا أنها خلات أثر كبير فالثقافة الاحتجاجية عند الشباب، لأنها أكدت فكرة مهمة الشارع/ الزنقة/ الساحة يقدر يكون فضاء للتعبير السياسي المباشر…
من بعد هاد المرحلة، ظهرت موجة أخرى من الحراكات، ولكن هذه المرة بطابع محلي قوي.. المثال الأبرز كان احتجاجات الريف.. اللي بدا من حادثة مأساوية ولكن تحول بسرعة لحركة اجتماعية واسعة طالبت بالتنمية، بالمستشفى بالجامعة وبالخدمات الأساسية..
وكذلك مدينة جرادة كانت عرفت باحتجاجات اجتماعية قوية حيث خرجات الناس تحتج على البطالة وعلى الأوضاع الاقتصادية الصعيبة بعد إغلاق مناجم الفحم.. او تارة او صفرر او زاكورة او خريبكة كلها مناطق كانت عرفات احتجاجات على مطالب محددة ..
هاد الحراكات كشفت واحد التحول السوسيولوجي مهم الاحتجاج فالمغرب ما بقاش كيتولد غير فالمدن لكبرى، بل ولى كيطلع بزاف من “الهامش”، من المدن الصغرى والبوادي والمناطق اللي كتحس بأنها بعيدة على القرار وعلى التنمية..
ولكن التغيير ماشي غير فالمكان.. بل حتى فطريقة التنظيم.. بزاف من الحراكات الجديدة ما بقاش فيها تنظيم كلاسيكي بقيادة مركزية واضحة.. عوض ذلك، برزت تنسيقيات ولجان محلية كتشتغل بطريقة أفقية ومرنة، والقرارات فيها كتتاخذ بشكل جماعي..
هاد النوع من التنظيم كيمنح الحركات الاحتجاجية مرونة كبيرة، وكيخليها أقل قابلية للاحتواء السياسي كيف هو معروف.. لأن المحتجين ما بقاشو كيشوفو الأحزاب لشكر، ابن كيران، بنعبد الله، اوزين او حتى منيب أو غيرها.. والنقابات كمرجعية ضرورية للتعبير عن المطالب ديالهم، بل كيشوفو أن الشرعية كتجي مباشرة من الشارع / الساحة ..
وفنفس الوقت، لعب التقدم الرقمي دور كبير فهاد التحولات. المواقع الاجتماعية ولات فضاء أساسي للنقاش العمومي والتعبئة.. فيديو واحد أو هاشتاغ واحد يقدر يشعل نقاش وطني كامل فمدة قصيرة، ويحول قضية محلية بسيطة لموضوع كيهم الرأي العام كامل..
ولكن رغم هاد القوة ديال التعبئة الرقمية، فهي كتكون سريعة وقصيرة العمر.. لأن الاحتجاج اللي كيستمر فعلا كيحتاج تنظيم ميداني وملف مطلبي واضح، وقدرة على التفاوض..
وفالعمق، صعود هاد الأشكال الجديدة من الاحتجاج كيعكس أزمة أعمق.. أزمة الوساطة السياسية.. الأحزاب والنقابات اللي كان مفروض فيها تكون الجسر بين المجتمع والدولة، ولات عند جزء مهم من المواطنين ما عندها حتى مصداقية او ما تستأهل الثقة ..
وبدل ما تكون قناة لنقل المطالب الشعبية لمراكز القرار (هاذ المركز اللي بعض المغاربة اختصارا بالرباط)، ولات فبعض الأحيان هياكل بطيئة، أو منشغلة بصراعاتها الداخلية .. أو بعيدة على التحولات الاجتماعية اللي كيعرفها المجتمع…
هاد العطب خلق فراغ سياسي واضح. ومع هاد الفراغ، خرجت السياسة من القنوات الرسمية، وولات كتتجسد مباشرة فالشارع. الاحتجاج هنا ماشي غير غضب اجتماعي، بل حتى محاولة من المجتمع باش يسترجع السياسة من المقاربات التقنقراطية اللي اختزلت النقاش العمومي فالأرقام والمؤشرات الاقتصادية..
لكن ضعف الوساطة كيخلق حتى وضعية حساسة، حيث كتلقى الدولة نفسها أحيانا فمواجهة مباشرة مع “شارع بلا قيادة”. وما كاينش مخاطب مؤسساتي واضح يقدر يتفاوض باسم المحتجين أو يقنعهم بحلول معينة..
وفالغالب، الحركات الاجتماعية فالمغرب ما كتكونش مدفوعة غير بالمطالب المادية. المحرك الحقيقي ديالها هو الكرامة.. المواطن اللي كيخرج يحتج اليوم باغي يحس أن صوته مسموع.. وأنه ماشي مجرد رقم، بل مواطن عنده الحق يكون حاضر فالنقاش حول مستقبل البلاد…
لهذا السبب، الحركات الاحتجاجية يمكن نشوفوها كذلك كنوع من ’’منبه / كلاكصون‘‘. رسالة كتقول بأن أدوات التدبير السياسي التقليدية ولات محدودة، وأن المجتمع كيبحث على طرق جديدة باش يعبر على نفسه..
وهنا كتجي الانتخابات المقبلة كواحدة من اللحظات الحاسمة فهاد المسار.. لأنها ما خاصهاش تكون غير محطة انتخابية عادية بل فرصة باش تسترجع السياسة الدور ديالها كوسيط بين المجتمع والدولة..
فالأسئلة اللي كيرفعها الشارع اليوم ـ سواء فالحراكات الشارع أو فالنقاشات اللي كيخلقها جيل جديد – جيد زيد مثلا – ف المواقع الاجتماعية ـ هي نفسها الأسئلة اللي خاص البرامج الانتخابية تجاوب عليها بوضوح: الشغل، التعليم الصحة، العدالة الاجتماعية، الإنصاف المجالي، الكرامة، وجودة الخدمات العمومية..
إلى قدرت الانتخابات المقبلة تفرز مؤسسات قوية ونخب سياسية قادرة تقترح حلول واقعية لهد المطالب، فذلك يمكن يكون بداية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة.. أما إلا بقات البرامج الانتخابية بعيدة على هموم الناس اليومية، فالغالب أن الشارع غيبقى هو الفضاء الرئيسي للتعبير السياسي..
وبمعنى آخر، الرهان الحقيقي ديال الانتخابات المقبلة ماشي غير فعدد المقاعد اللي غادي يجيبها كل حزب، ولا فشكون غادي يدخل للحكومة، ولا حتى فشكون غادي يكون رئيس الحكومة..
الرهان الحقيقي هو واش الأحزاب قادرة تحول مطالب الاحتجاج إلى سياسات عمومية حقيقية وملموسة؟
إلى وقع هاد الشي، يمكن نفتح صفحة جديدة فالعلاقة بين المجتمع والدولة. أما إلا ما وقعش، فالغالب أن الزنقة غتبقى هي المكان اللي كيلقا فيه المجتمع الصوت ديالو..
المصدر:
كود