قال نقاد ومهنيون في مجال السمعي البصري إن المسلسلات القصيرة التي تتكون من 15 حلقة باتت تفرض حضورها في المشهد الدرامي العربي، لما تتيحه من تكثيف في السرد وتركيز أكبر على الجودة التقنية والجمالية، مسجلين “غياب هذا النوع من الأعمال في السياق الرمضاني المغربي، الذي ما يزال وفيا لصيغة المسلسلات الممتدة على ثلاثين حلقة”.
وترى أطراف أن “الدراما الرمضانية الطويلة باتت جزءا من النسيج الزمني الواقعي لحياة المشاهد خلال الشهر الفضيل؛ إذ ترافقه يوميا ضمن طقس اجتماعي اعتاد عليه الجمهور”، في وقت تحذر فيه أصوات مهنية من “الوقوع في فخ المقارنة المباشرة بين الصيغتين، أو بين التجربة المغربية المحكومة بتحديات معروفة مقابل مناخ تعايش مع صيغ عدة، سواء في مصر أو في مناطق عربية أخرى”.
قال الناقد المغربي إدريس القري إن “المقارنة بين المسلسل القصير والطويل في دراما رمضان تكشف تحوّلا عميقا في المنطق المهني والإنتاجي الذي يحكم بنية الكتابة والإخراج والتشخيص”، موردا أن “المسلسل القصير، في حدود 15 حلقة، يحرّر الدراما من رتابة الحشو والإطناب والتمطيط، ويتيح تركيز الموارد الإنتاجية على جودة التنفيذ التقني والجمالي بدل استنزافها في أيام تصوير طويلة”.
واستند القري إلى بعض التجارب المصرية، مثل مسلسل “عين سحرية”، التي اعتبر أنها “تقدم إنتاجا يقترب من المعايير السينمائية على شاشة التلفزيون، ويستقطب جمهور المنصات الرقمية الذي لا يملك ترف الوقت الذي يمتلكه المشاهد التقليدي”، مضيفا أن “الدراما المغربية، في المقابل، ما تزال متمسكة بوظيفتها الخدماتية داخل المنظومة التلفزيونية، حيث تستثمر القنوات في ‘الزمن الممتد’ لضمان حضور إشهاري مستمر واستجابة لذائقة جماهيرية اعتادت استهلاك المسلسل طيلة الشهر الفضيل”.
ومن هنا، تبدو بعض الأعمال الطويلة بالنسبة للقري، مثل “بنات لالة منانة 3″، “محكومة بإيقاع إنتاجي تقليدي ذي طابع مسرحي مصطنع، يمدّد الحكاية بشكل واضح حتى تصبح الرحلة الدرامية مجرد مرافقة شهرية للمشاهد، وهو ما ينعكس أحيانا سلبا على جمالية المكان وعلى عفوية السرد”، مبينا من جهة أخرى أن “المسلسل القصير يشتغل، من حيث المنطق الجمالي والإيقاعي، على تكثيف الحكاية والرهان على إخراج حاذق يبرز قوة المكوّن البصري”.
وشدد المصرح لهسبريس على أن “المخرج يتولى تصميم إطار مكثف لا يحتاج إلى حوار طويل، بل يعتمد على رمزية الصورة ودلالتها لنقل المعنى بسرعة وفعالية”، مبرزا أن “بعض الدراما الطويلة تخضع لمنطق خلية كتابة مثقلة بضغوط الشهرة السطحية التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي، وبإكراهات التلفزيون المرتبطة بالإشهار ونسب المشاهدة الكمية، مما ينتج تراكما بصريا مألوفا وجافا من الابتكار”.
وإلى ذلك، اعتبر المتحدث أن “هذا الاختلاف يمتد أيضا إلى مستوى التشخيص الدرامي للشخصيات”، موضحا أنه “في المسلسل القصير يضطر الممثل إلى تكثيف أدائه إلى أقصى حد، بحيث تصبح كل حركة أو نظرة محملة بدلالة درامية دقيقة”، وتابع: “يقدم ممثلون مثل عصام عمر، في ‘عين سحرية’، نموذجا لهذا الأداء المكثف القائم على الانفعال اللحظي الصادق”.
أما في الدراما المغربية الطويلة، حيث يمتد البناء السردي على ثلاثين حلقة، فقد وجد المتحدث أن “المجال يُفتح أمام أداء متدرج يسمح بتتبع تحولات الشخصية النفسية ببطء، وهو ما يعزز الإحساس بالمعايشة لدى المشاهد، وإن كان ذلك أحيانا على حساب الإيقاع النقدي والحدة الجمالية للإخراج”، وأبرز أن “المسلسل القصير يجسد ‘فلسفة الحدث’، حيث تنتصر الدراما للفكرة الصادمة المكثفة، فيما يرسخ العمل الطويل ‘فلسفة الحالة’؛ إذ يتحول العمل إلى رفيق يومي يندمج في الطقس الاجتماعي للّمة العائلية خلال رمضان”.
قال خالد النقري، منتج أعمال تعرض في التلفزيون المغربي، إن فكرة تقديم مسلسلات قصيرة من 15 حلقة خلال شهر رمضان تبقى تجربة ممكنة في المغرب، مؤكدا أن “الكفاءات المحلية في مجال الكتابة الدرامية متوفرة ولا تعوزها القدرة على إنجاز هذا النوع من الأعمال”، مضيفا أنه يساند هذا التوجه لأن “المسلسل القصير يسمح بتكثيف الكتابة والتركيز على الخط الدرامي دون إطالة غير ضرورية”.
وأوضح النقري، في تصريح لهسبريس، أن “طبيعة الكتابة الدرامية تختلف بحسب طول العمل؛ فكلما ازداد عدد الحلقات تطلب الأمر إدخال عناصر وخطوط درامية جديدة للحفاظ على إيقاع السرد واستمرار التشويق”، موردا أن “المسلسلات القصيرة تضمن معالجة أكثر تركيزا وتماسكا، لأن الكاتب يشتغل على فكرة محددة ضمن مساحة زمنية أقل، مع أن المغاربة جربوا هذا النوع من المسلسلات وقدموا أعمالا متميزة، ولكن طرحها في رمضان ما زال صعبا”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “بعض القنوات العربية جرّبت إطلاق الأعمال قبل رمضان ببضعة أيام بهدف جذب المشاهد وضمان استمرارية متابعته خلال الشهر، غير أن البرمجة في المغرب مغايرة لكونها غالبا ما تكون مرتبطة بثلاثين يوما من البث الرمضاني”، مبرزا أن “اعتماد مسلسلين من 15 حلقة يظل تجربة تحتاج إلى دراسة دقيقة من حيث البرمجة وضمان تفاعل الجمهور مع العملين”.
كما أكد المهني نفسه أن “الإشكال لا يتعلق بعدد الحلقات في حد ذاته، لأن الصناعة التلفزيونية في المغرب قادرة على إنتاج صيغ مختلفة من الأعمال، سواء كانت قصيرة أو طويلة”، مشددا على أن “تجارب ناجحة تم تقديمها فعلا خارج رمضان، ولكن التحدي الأساسي خلال شهر الصيام يكمن في تنوع المحتوى، وفي ضمان أن يواصل الجمهور متابعة عمل جديد بعد انتهاء مسلسل قصير خلال الموسم نفسه”.
وفي المقابل، يرى النقري أن “المقارنة بين الدراما المغربية ونظيرتها في بعض الدول العربية تبقى غير منصفة؛ لأن تلك الأسواق تمتلك عددا كبيرا من القنوات والإنتاجات سنويا، بينما يظل مجال البث في المغرب محدودا ومرتهنا بالسياق العمومي، المتمثل في قناتين، بكل تحدياته ورهاناته”، خالصا إلى أن “تجربة المسلسلات القصيرة في رمضان تبقى خيارا قابلا للتفكير، لكنها تتطلّب ظروفا مالية وإنتاجية وبرمجية تسمح للقنوات بخوض هذه المغامرة”.
المصدر:
هسبريس