عاد النقاش حول تنظيم سوق الأدوية في المغرب إلى الواجهة بعد الرأي الذي أصدره مجلس المنافسة، والذي اعتبر أن النموذج الاقتصادي المعتمد في توزيع الأدوية بالجملة يعيش “وضعية هشاشة”، رغم الارتفاع المتواصل في رقم معاملات شركات التوزيع خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2024.
وحسب الرأي ذاته، بلغ رقم معاملات الصيدليات سنة 2016 نحو 11.12 مليار درهم مقابل دخل مهني قدره 1.16 مليار درهم، ليرتفع في 2024 إلى 13.53 مليار درهم مع دخل مهني قدره 1.21 مليار درهم.
وتشير المعطيات إلى أن بنية سوق الصيدليات تتسم بتركيز متفاوت، حيث إن 70 في المائة من الصيدليات تحقق رقم معاملات سنويا يقل عن 1.2 مليون درهم، بينما 20 في المائة منها يتراوح رقم معاملاتها بين 1.2 و2.5 مليون درهم؛ في حين إن 10 في المائة فقط تتجاوز رقم معاملات سنويا يفوق 2.5 ملايين درهم.
وأجرى الرأي مقارنة مرجعية لأنظمة تعويض موزعي الأدوية بالجملة في عدد من الدول (Benchmark)، وخلص إلى أن بلدانا أوروبية عديدة تعتمد نظاما مزدوجا يجمع بين هامش نسبي على سعر الدواء وتعويض ثابت عن كل علبة، كما هو الحال في بلجيكا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال؛ فيما يعتمد المغرب أساسا على هامش يتراوح بين 2 في المائة و11 في المائة من سعر الدواء دون تعويض ثابت عن كل وحدة.
وقد فتح هذا التقييم الباب أمام تباين واضح في مواقف الفاعلين في القطاع بين من يدافع عن بنية التوزيع الحالية باعتبارها ضرورية لضمان تزويد الصيدليات بالأدوية، ومن يرى أن المنظومة تحتاج إلى مراجعة عميقة تراعي مصلحة المستهلك.
في هذا السياق، شدد أمين بوزوبع، رئيس الائتلاف الوطني لصيادلة العدالة والتنمية، على أن الحديث عن هوامش الربح المرتبطة بتوزيع الأدوية يجب أن يوضع في سياقه الحقيقي، موضحا أن شركات التوزيع ليست مجرد شركات نقل، بل مؤسسات صيدلانية متخصصة تؤدي دور الوسيط بين المختبرات المنتجة للأدوية والصيدليات.
وأوضح بوزوبع، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه الشركات تقوم بعمل لوجيستيكي معقد وكبير لضمان إيصال الأدوية إلى مختلف صيدليات المملكة، بما في ذلك المناطق البعيدة والنائية.
وأضاف أن القانون المنظم لقطاع الأدوية لا يسمح لأي جهة بتوزيع الأدوية بشكل عشوائي؛ إذ إن هذه العملية تخضع لشروط دقيقة وتراخيص محددة، ما يجعل شبكة الموزعين حلقة أساسية في ضمان وصول الدواء إلى المواطنين. واعتبر أن تجاوز هذه الشبكة أو القفز عليها أمر غير ممكن عمليا، لأن أي نموذج بديل سيحتاج بدوره إلى بنية توزيع لوجيستيكية مماثلة، وهو ما يعني وجود تكلفة حتمية تدخل ضمن كلفة الدواء.
كما رد المتحدث ذاته على المقارنات التي تشير إلى أن هوامش الربح في المغرب أعلى مقارنة ببعض الدول الأوروبية، موضحا أن المقارنة لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة عمل الصيدليات في تلك البلدان. وأبرز أن الصيدلي في فرنسا أو إسبانيا أو البرتغال لا يعتمد فقط على بيع الأدوية لتحقيق دخله، بل يحصل على نحو نصف مداخيله من الخدمات الصحية التي يقدمها للمواطنين.
وفي هذا الإطار، أشار بوزوبع إلى أن مهنيي الصيدلة في المغرب طالبوا منذ سنوات بإصلاحات تسمح للصيدلي بتقديم خدمات صحية إضافية داخل الصيدليات، من بينها خدمات التلقيح ضد بعض الأمراض، وهي خدمات مؤدى عنها في عدد من الدول وتساهم في تخفيف الضغط على المستشفيات وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين. كما تحدث عن إمكانية تطوير خدمات مواكبة مرضى الأمراض المزمنة داخل الصيدليات، معتبرا أن الصيدلي يمكن أن يلعب دورا مهما في تتبع العلاج وضمان الالتزام به.
وأشار أيضا إلى تجربة بعض الدول الأوروبية التي توفر داخل الصيدليات خدمات الاستشارة الطبية عن بعد بإشراف الصيدلي، وهو نموذج أثبت نجاحه في تسهيل الولوج إلى الرعاية الصحية. واعتبر أن هذه الإصلاحات من شأنها توفير موارد إضافية للصيدليات ودعم ورش التغطية الصحية الشاملة، مؤكدا أن مهنيي القطاع سبق أن قدموا مذكرات ومقترحات مفصلة في هذا الاتجاه.
غير أن بوزوبع عبّر عن تخوفه من أن يتم توظيف هذه المقترحات في اتجاه فتح المجال أمام مستثمرين لدخول القطاع، موردا أن الحل ينبغي أن يمر أولا عبر إصلاح المنظومة الصحية وتمكين الصيدليات من أداء أدوارها الجديدة بدل إعادة هيكلة القطاع بطريقة قد تفتح الباب أمام فاعلين جدد على حساب المهنيين.
في المقابل، اعتبر بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن رأي مجلس المنافسة يمثل خطوة مهمة نحو تصحيح اختلالات سوق الأدوية وتعزيز احترام قواعد المنافسة وحماية المستهلك.
وأوضح الخراطي، ضمن تصريح لهسبريس، أنه في ما يتعلق بأسعار الأدوية، فإن المشكلة الحقيقية تبدأ منذ تحديد سعر الدواء عند خروجه من المختبر، حيث يتم تحديد الأسعار بالمقارنة مع دول ذات مستويات دخل مرتفعة مثل فرنسا أو البرتغال أو السعودية، وهو ما قد يساهم في رفع السعر النهائي داخل السوق المغربية.
وأشار إلى أن وجود وسيط بين المختبرات والصيدليات يضيف تكلفة إضافية إلى سلسلة التوزيع، مقترحا إمكانية اعتماد نموذج يسمح بالبيع المباشر بين المختبرات والصيدليات، مما قد يساهم في تقليص جزء من التكلفة التي يتحملها المستهلك. غير أنه شدد في الوقت نفسه على أن سوق الأدوية يتميز بخصوصية كبيرة، لأن المستهلك لا يختار الدواء بنفسه بل يحصل عليه بناء على وصفة طبية يحددها الطبيب، بينما يظل الصيدلي ملزما بالسعر المحدد قانونا دون إمكانية تخفيضه أو الزيادة فيه.
وذكر أن من الجوانب الإيجابية في المنظومة الحالية انتشارُ الصيدليات في مختلف مناطق المملكة، حيث يوجد تقريبا صيدلي واحد لكل 1600 مواطن، في حين توصي المعايير الدولية بصيدلية واحدة لكل 5000 نسمة.
لكن الخراطي اعتبر أن هذا الانتشار لا يخلو من اختلالات؛ إذ إن معظم الصيدليات في المغرب يديرها صيدلي واحد فقط، ما يجعل العمل داخلها مرهقا ويجعل من الصعب ضمان حضور دائم للصيدلي. وأشار إلى أن عددا من الدول تعتمد نموذج الصيدليات التي يعمل بها صيادلة عدة في الوقت نفسه، ما يسمح بتقاسم ساعات العمل وتحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.
كما سجل المتحدث ذاته ملاحظات تتعلق بغياب بعض الصيادلة عن صيدلياتهم، وهو ما يتعارض مع القوانين المنظمة للمهنة، مؤكدا أن الصيدلي يتحمل مسؤولية كبيرة نظرا لحساسية الأدوية وتأثيرها المباشر على صحة المرضى.
من جهة أخرى، انتقد الخراطي نظام توقيت عمل الصيدليات المعتمد حاليا، معتبرا أنه لا يلبي حاجيات المستهلكين في بعض الحالات، خصوصا خلال الليل أو في المناطق التي يضطر فيها المرضى إلى التنقل لمسافات طويلة للعثور على صيدلية مفتوحة. ودعا في هذا السياق إلى إعادة النظر في نظام التوقيت والتغطية الترابية للصيدليات وفق معايير مرتبطة بالكثافة السكانية.
المصدر:
هسبريس